السيد عبد القادر ملا حويش آل غازي العاني
363
تفسير القرآن العظيم ( بيان المعاني )
عباده إلى الآن وإلى ما بعد حتى يأتي اللّه بقيام الساعة . هذا وان حضرة الرسول بعد أن صدع بأمر اللّه بما أنزل إليه من عنده تمنى لو أن ربه يمن عليه بإيقاع الهدى في قلوب خلقه لينقادوا إليه فيما يأمره وينهاه ، فرد اللّه تعالى على ما وقع في قلبه وهو العالم بذات الصدور بقوله عز قوله « كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْماً كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ » ببعثتك وتوقعهم ظهورك اتباعا لما وجدوه في كتبهم « وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ » أي أنك صادق بدعواك الرسالة عندما ظهرت لهم البشائر بها وانطبقت عليك الصفات المذكورة في كتبهم « وَجاءَهُمُ الْبَيِّناتُ » على صدق نبوتك ، وإنما ساءهم أنك لست منهم وخافوا أن يحرموا الرئاسة فعدلوا عن قبول الهدى الذي جئتهم به فظلموا أنفسهم قصدا « وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ » ( 86 ) أنفسهم ببيعهم الآخرة بالدنيا اختيارا ، وقد قضت سنة اللّه أن لا يهدي من يعرض عن الهدى برضاه ولا يهدي إلا ذوي النفوس الطاهرة والنية الخالصة ، أما هؤلاء الذين ألفوا الكبر والإصرار على الكفر فلا سبيل لهدايتهم « أُولئِكَ » الذين هذه صفتهم « جَزاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ » ( 87 ) وان مأواهم النار « خالِدِينَ فِيها » مع هذه الفظيعة المفضية للطرد من رحمة اللّه « لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ » ( 88 ) يؤخرون عن وقته « إِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ » الارتداد والكفر وندموا على ما وقع منهم وآمنوا وأخلصوا « وَأَصْلَحُوا » عملهم بالتوبة النصوح « فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ » لهم « رَحِيمٌ » ( 89 ) بهم وبجميع عباده وخاصة من يتوب ويحسن توبته . نزلت هذه الآيات في الحارث بن سويد الأنصاري وطعمة بن أبيرق وجموح بن الأسلت ورفقائهم التسعة الذين ارتدوا عن الإسلام وخرجوا من المدينة إلى مكة كفارا ، وقد ندم أحدهم وهو الحارث وأرسل لحضرة الرسول بقبول توبته . وآخر هذه الآيات عام في جميع الكفرة المرتد منهم وغيره ، وهذه آخر ال 89 آية من هذه السورة التي نزلت في وفد نجران ومحاججتهم مع اليهود ومجادلتهم مع حضرة الرسول وما تفرع عن ذلك ، ولبعضها أسباب أخرى لصلاحيتها لها ، لأن السبب الواحد قد يكون لأغراض كثيرة تنطبق عليها ، كما أن بعضها تكون عامة