السيد عبد القادر ملا حويش آل غازي العاني

280

تفسير القرآن العظيم ( بيان المعاني )

أن ما أصابهم من القتل والأمر والنهب والسبي ليس بشيء بالنسبة لما خبئ إليهم من العذاب « ذلِكُمْ » الذي أصابكم من الغلب والاندحار « فَذُوقُوهُ » معجلا لكم أيها المشركون « وَأَنَّ لِلْكافِرِينَ » منكم الذين يموتون على كفرهم عذاب أشد وأقسى وأعظم وهو « عَذابَ النَّارِ » ( 14 ) في الآخرة التي لا تقواها القوى البشرية . ولما فرغ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم وأصحابه رضوان اللّه عليهم من حادثة بدر قيل له إذ وفقك اللّه على النفير فعليك بالبعير إذ تركت وليس دونها أحد ، قال قتادة فناداه العباس من وثاقه لا يصلح لك ، لأن اللّه وعدك إحدى الطائفتين ، وقد أعطاك ما وعدك ، قال صدقت - أخرجه الترمذي - . وكانت هذه الحادثة يوم الجمعة في 17 رمضان السنة الثانية من الهجرة . قال تعالى « يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفاً » قادمين عليكم ، والزحف انبعاث مع جر الرجل كانبعاث الصبي قبل أن يمشي ( وتقول العامة يحبو ) وسمي به الجيش الدّهم المتوجه إلى العدو لتكاثفه ، فيرى لكثرته كأنه يزحف زحفا إذ يكون كالجسم الواحد في تراصه ، فيظن رائيه أنه بطيء الحركة مع أنه مسرع ، انظر إلى فلكة المهواية ودواليب المحركات وصدور الرحى وكل متناه في السرعة تراه كأنه واقفا ، قال تعالى ( وَتَرَى الْجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ ) الآية 88 من سورة النمل في ج 1 ، وقيل في المعنى : وأرعن مثل الطود تحسب أنه * وقوف لجاج والركاب تهملج أي إذا رأيتم أيها المؤمنون أعداءكم مقبلين عليكم على هذه الصورة فاستقبلوهم بصدوركم « فَلا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبارَ ( 15 ) » فتنهزمون أمامهم وتعطونهم ظهوركم فإنهم يستخفونكم ويلحقونكم فيدركونكم ويستأصلونكم ، ثم هدد اللّه تعالى الهارب من عدوه على هذه الصفة بقوله « وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ » ظهره فرارا منهم يوم الزحف واشتداد المعركة « إِلَّا مُتَحَرِّفاً لِقِتالٍ » بأن يري عدوه الانهزام بقصد الكرة عليه أو يستدرجه فيطوقه من ورائه أو ينوي ضربا آخر من ضروب الحرب ومكايده وخدعه ، لأن الحرب خدعة يجوز فيه ما لا يجوز في غيره ، لأنه بعد أن استحل فيه سفك الدماء فلأن يحل فيه غيره من باب أولى .