السيد عبد القادر ملا حويش آل غازي العاني

274

تفسير القرآن العظيم ( بيان المعاني )

يا من تعزز بالدنيا وزينتها * والدهر يأتي على المبنيّ والباني ومن يكن عزّه الدنيا وزينتها * فعزّه عن قليل زائل فاني واعلم بأن كنوز الأرض من ذهب * فاجعل كنوزك من برّ وإحسان ثم أتبعها بما هو من أعمال الجوارح فقال جل قوله « الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ » بأوقاتها مكملين شروطها وأركانها « وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ ( 3 ) » في وجوه البر والقربات « أُولئِكَ » الجامعون لهذه الصفات الخمس الحسيّة والمعنوية « هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا » وصدقا الكاملو الإيمان قولا فعلا « لَهُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ » في جنته العالية على حسب كمال إيمانهم وصلاح أعمالهم « وَمَغْفِرَةٌ » لذنوبهم بأن يبقيها مستورة في الدنيا فيما بينه وبينهم ولا يفضحهم عليها بالآخرة كرما منه ، ولا يؤاخذهم بها « وَرِزْقٌ كَرِيمٌ ( 4 ) » لهم في مقعد صدق لا يكدره كد الكسب وهم المعيشة ، ولا يشوبه خوف الحساب ، ولا يعتريه توهم الفقر ، ولا يتطرق إليه مظنة النفاد ، الملازمات لرزق الدنيا . وان ما ذكر هو للمؤمنين بالآخرة حق لا مرية فيه « كَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ » من المدينة إلى بدر إخراجا « بِالْحَقِّ » الوحي إليك من لدنه . وهذه الآية هي المشيرة إلى غزوة بدر التي وعد اللّه بها رسوله النصر ، وهي مرتبطة بالآية الأولى من هذه السورة ، وما بينهما من الآيات معترضات فهي من باب المقدم والمؤخر « وَإِنَّ فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ » بك وبربك وكتابك من أصحابك « لَكارِهُونَ ( 5 ) » خروجهم معك لقتال أعدائك الكافرين بسبب قلة عددهم وعددهم ، ولم يعلموا أن الذي أخرجك من بيتك ما أخرجك إلا ليجعل النصر حليفك والظفر قرينك « يُجادِلُونَكَ » كراهية القتال ، لأنهم لم يتمرنوا عليه ، ويتصورون بأنفسهم أنك لم تدرب على القتال أيضا ، لأنهم لم يعهدوك قاتلت قبل ، وإن جدالهم لك « فِي الْحَقِّ » الذي أمرناك به « بَعْدَ ما تَبَيَّنَ » لهم أنك لا تعمل شيئا من نفسك لا يليق بهم بعد ما رأوا من صدقك وعدم استدراك شيء من عندك ، وتراهم وهم سائرون معك « كَأَنَّما يُساقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ ( 6 ) » الموت بأعينهم ، شبه حالهم في فرط فزعهم بحال من يقدم للقتل وهو ينظر إلى دواعيه ويعلم أنه ميت ، ولا أبلغ من هذا