السيد عبد القادر ملا حويش آل غازي العاني

266

تفسير القرآن العظيم ( بيان المعاني )

مطلب المحاسبة غير المعاقبة ومعنى الخطأ والنسيان والهمّ والطاقة والإصر وغيرهما : ومن رحمته بكم لم يقل يعاقبكم أو يؤاخذكم ، لأن المحاسبة عبارة عن المعاتبة وتعريف الشخص بأن اللّه تعالى مطلع على سره وخواطر نفسه وضمائر قلبه ، فضلا عما يفعله جهارا ويقوله علنا ، وبعد أن يطلع عبده على ذلك يغفره له بمقتضى فضله كما يعذب عبده على ما يبديه إن شاء يحكم عدله . يدل على هذا ما رواه صفوان ابن محرز المازني قال : بينما عمر يطوف إذ عرض له رجل ، فقال يا أبا عبد الرحمن أخبرني ما سمعت من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم في النجوى ، قال سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم يقول يدنو المؤمن من ربه حتى يضع عليه كنفه فيقرره بذنوبه تعرف ذنب كذا وكذا ؟ فيقول أعرف ربي أعرف مرتين ، فيقول اللّه سترتها عليك في الدنيا ، وأنا أغفرها لك اليوم ، ثم تطوى صحيفة حسابه ، وأما الآخرون ، وهم الكفار والمنافقون فينادى بهم على رؤوس الخلائق هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ألا لعنة اللّه على الظالمين - أخرجاه في الصحيحين - . وان حديث اهمّ المقدم ذكره في الآية 84 من سورة القصص في ج 1 يؤيد هذا لأن إخفاء ما في النفس عبارة عما يحدث في القلب . روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة قال : إن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم قال إن اللّه تعالى تجاوز لأمتي ما حدثت نفسها ما لم يعملوا به أو يتكلموا . ولا وجه لقول من قال إن هذه الآية منسوخة ، لأنها خبر من الأخبار لا يدخلها النسخ كما بيناه في بحث النسخ في المقدمة وعند كل بادرة ، وحجة من قال بنسخها هو ما رواه أبو هريرة من أن هذه الآية لما نزلت على رسول اشتد ذلك على أصحابه وقالوا كلفنا من الأعمال ما نطيق الصلاة والصيام والصدقة ، وقد أنزلت هذه الآية ولا نطيقها ، فقال أتريدون أن تقولوا كما قال أهل الكتابين من قبلكم سمعنا وعصينا ، بل قولوا سمعنا وأطعنا ، فأنزل اللّه في أثرها « فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( 284 ) » كامل القدرة بالغ المغفرة يغفر للمؤمنين بفضله ويعذب الكافرين بعدله . قال تعالى « آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ » آمنوا بما آمن به رسولهم « كُلٌّ منهم « آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ » نحن معاشر