السيد عبد القادر ملا حويش آل غازي العاني

255

تفسير القرآن العظيم ( بيان المعاني )

الدنيا وزخارفها ، لأن اللّه تعالى عوضهم خيرا منها في الآخرة . وبعد ما أباح لهم ما أكلوه من الربا قبل نزول هذه الآية بين لهم حكم ما عقدوه منه قبل النهي ولم يستوفوه بعد ، فقال عز قوله « يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا » على الذين أخذوا منكم مالا وهو ما فضل عن رؤوس أموالكم فقط « إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ( 278 ) » قولا وفعلا قلبا وقالبا فخذوا رؤوس أموالكم واتركوا بقايا الربا حتى تقوا أنفسكم من عقابه ، واعلم أن ذروا لا ماضي له ، وكذلك ما تصرف منه مثل : تذر ويذر وتذرون إلخ وهما مكرران كثيرا في القرآن . « فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا » ما أمرتم به ولم تتركوا ما نهيتم عنه « فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ » لأن إصراركم على ما حرم عليكم وعدم انتهائكم عما نهيتم عنه إعلام بطلب المبارزة والمحاربة مع اللّه ورسوله وهو مما لا قبل لكم به ، وهذا كناية عن التشديد في الزجر والكف عن الربا في الدنيا ، وعدم أخذ الفضل المعقود عليه قبل النهي والمبالغة في الوعد والتهديد في الآخرة . قال أهل المعاني حرب اللّه النار وحرب رسوله السيف . وقد بينا آنفا وجوب محاربة المصرّ عليه على الإمام ، « فَإِنْ تُبْتُمْ » ورجعتم فإن اللّه تعالى يقبل إنابتكم ويعفو عما سلف منكم ، وإذا فعلتم هذا وطابت نفوسكم بترك الفضل مما عقدتموه قبل النهي ولم تستوفوه ، أما بعده فالعقد باطل من أساسه حرام ملاحقته لا يجوز تقاضيه ، وفي كلا الحالتين « فَلَكُمْ رُؤُسُ أَمْوالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ » ، الغريم بأخذ الزيادة منه عنها « وَلا تُظْلَمُونَ ( 279 ) » بنقص شيء من رأس المال ، بل تأخذونه كما أعطيتموه كاملا . وهذا البحث بحث بحت واسع في الآية 131 من سورة آل عمران الآتية فراجعها . كان العباس بن عبد المطلب وعثمان بن عفان يتعاطيان الربا ، فقال لهما بعض مدينهما إن أخذتم حقكما كله مني لم يبق لدي ما يكفي عيالي ، فخذ النصف وأضعف لكما النصف الثاني إذا أخرتماه ، وذلك قبل النهي ، ففعلا فلما حلّ الأجل طلبا الزيادة ، فبلغ ذلك النبي صلّى اللّه عليه وسلم ، فأنزل اللّه هذه الآية ، فقالا سمعا وطاعة ، وأخذا رأس مالهما وهناك أقوال أخر في أن سبب نزولها في العباس وخالد بن الوليد أو في أربع اخوة من ثقيف كانوا يتعاطون الربا ، ولا مانع من تعدد الأسباب ، والمعنى واحد