السيد عبد القادر ملا حويش آل غازي العاني

248

تفسير القرآن العظيم ( بيان المعاني )

« تَعْرِفُهُمْ بِسِيماهُمْ » السيما والسمة والسميا بمعنى العلامة وهي ما يظهر على وجه الإنسان من الاصفرار بسبب الجوع ، وما يرى من ثيابهم الخلقة ، وتلبسهم بالخضوع والخشوع للّه ، كل هذا مما ينم عن شدة حاجتهم مما يغني اللبيب عن احتياجهم لسؤاله ، بل يتفرس فيهم ويعطيهم كفايتهم ، فهم أكثر أجرا من غيرهم « لا يَسْئَلُونَ النَّاسَ إِلْحافاً » إلحاحا فيكررون الطلب المرة بعد المرة ، ولا يبارحون المحل حتى يأخذوا منه ، ومنهم من يغلظ القول عند عدم الإعطاء ، كسؤال زماننا لهذا عليكم أن تفعلوا الخير ما استطعتم معهم « وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ ( 273 ) » تفيد هذه الآية عدم الميل إلى التصدق إلى المؤمن فقط ، إذ يجوز أن يعطيها لذوي الحاجة من غير المؤمنين ، لأن الخير للخيّر أن يتحرى بصدقته الأحوج إلا عند التساوي يرجح المؤمن ، كما أنه يرجح الطائع على العاصي والقريب على البعيد . لما نزلت هذه الآية بعث عبد الرحمن بن عوف بدنانير كثيرة لأهل الصفة لأنها نزلت فيهم ، وكانوا أربعمائة رجل لا مال لهم ولا مأوى ولا قرابة يأوون إليهم ، وإنما ركنوا إلى المسجد يتلون القرآن ويخرجون مع كل سر للجهاد في سبيل اللّه ، لذلك حث اللّه عباده للإنفاق عليهم ومواساتهم ، لأنهم كانوا مع فقرهم لا يظهرون للناس بصفة المعدمين مع ظهور علامة الفقر عليهم ، وهذا من غنى القلب . واعلم أن هذه الآية توعز بحرمة السؤال في غير الضرورة له قال صلّى اللّه عليه وسلم المسألة لا تحل إلا لثلاث : لذي فقر مدقع أو لذي غرم مفظع أو لأنه دم موجع . وقد بينا آنفا أن الصدقة تعطى للمسلم وغيره من ذوي الحاجة ونعني بها صدقة التطوع ، أما صدقة الزكاة المفروضة فقد أجمع العلماء على صرفها للمسلمين من الأصناف الثمانية خاصة لقوله صلّى اللّه عليه وسلم أمرت أن آخذ الصدقة من أغنياء وأردها على فقرائكم ، لأن تخصيص الأخذ في هذا الحديث من الأغنياء يخصصه الزكاة المفروضة ، لأن غيرها تكون من الغني وغيره من كل من عنده فضل حوائجه ولو لم تجب عليه الزكاة . روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة قال : رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ليس الغني عن كثرة العرض ولكن الغني غنى النفس . ورويا الحسن : ليس المسكين الذي ترده اللقمة واللقمتان والتمرة والتمرتان ، ولكن المسكين