السيد عبد القادر ملا حويش آل غازي العاني
177
تفسير القرآن العظيم ( بيان المعاني )
أي الزائد على حوائجهم وذلك أنهم كانوا رضي اللّه عنهم لما سمعوا حضرة الرسول يكثر من الحث على الانفاق ويطنب في فضله صار منهم لشدة حرصه على ثواب النفقة ينفق جميع ما عنده ، حتى إن منهم لا يبقي ما يحتاج إليه للأكل ، فأمرهم في هذه بإنفاق الفاضل عن حاجتهم لكثرة ذوي الحاجة إذ ذاك من المهاجرين والأنصار في بداية الإسلام ، وكان السؤال في الآية 210 السابقة عن المنفق والمصرف فوقع هنا عن المقدار والكيفية . وكلمة العفو يجوز فيها الضم والفتح . روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى ، واليد العليا خير من اليد السفلى ، وابدأ بمن تعول . وأخرج بن خزيمة مثله بزيادة تقول المرأة أنفق علي أو طلقني ، ويقول مملوكك أنفق علي أو بعني ، ويقول ولدك إلى من تكلني . وأخرج بن سعيد عن جابر قال : قدم أبو حصين السّلمي بمثل بيضة الحمامة من ذهب ، فقال يا رسول اللّه أصبت هذه من معدن ( هو ما ذكر بيانه آنفا ) فخذها فهي صدقة ما أملك غيرها ، فأعرض عنه صلّى اللّه عليه وسلم ، ثم أتاه من قبل ركنه الأيمن فقال له مثل ذلك فأعرض عنه ، ثم أتاه من خلفه فأخذها رسول اللّه فحذفه بها ، فلو أصابته لأوجعته أو لعقرته ، فقال يأتي أحدكم بما يملك فيقول هذه صدقة ثم يقعد يتكفف الناس ! خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى وابدأ بمن تعول . فاشترط حضرة الرسول الغنى عن الحاجة للمتصدق ، فصاروا يمسكون ما يكفيهم ويتصدقون بالفاضل إلى أن حدد لهم حضرة الرسول القدرة الواجب إنفاقه في الزكاة ، فمنهم من اقتصر عليه ، ومنهم من داوم على إنفاق ما يفضل عن حاجته لقوة إيمانه ورغبة فيما أعده اللّه تعالى للمتصدقين من الأجر . ومن عقل تفسير هذه الآية على نحو ما ذكرنا علم أن القول بالنسخ لا وجه له . « كَذلِكَ » مثل هذا البيان الشافي « يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ » الموضحات لما تسألون عنه « لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ 219 فِي الدُّنْيا » فتعلمون أنها زائلة فتأخذون منها قدر ما يكفيكم وتنفقون الفاضل فتنتفعون بثوابه في الدنيا « وَالْآخِرَةِ » التي يجب أن تتفكروا فيها بعاقبة أمركم فتكثروا من الإنفاق مما تجود به نفوسكم من انعام اللّه عليكم وتزودوا لها من أعمال الخير رجاء ما أعده اللّه تعالى لأهل الخير ،