السيد عبد القادر ملا حويش آل غازي العاني
145
تفسير القرآن العظيم ( بيان المعاني )
قتالهم فيها ، وبقي هو وأصحابه عازمين جازمين على القتال حتى وقع الصلح بينهم ، وهي من قبيل الإخبار بالغيب لأنها نزلت قبل واقعة الحديبية بأربع سنين ، ولولاها لما قال صلّى اللّه عليه وسلم ما قاله في قصة الحديبية الآتية في سورة الممتحنة ، وحرض أصحابه على قتالهم عند منعهم لعلهم عدم جواز القتال في المسجد وحرمته في زمن الجاهلية ، ولهذا قال بعضهم إنها نزلت في صلح الحديبية ، وفي نقضهم هذا الصلح وتعرضهم لأصحاب الرسول . وهذه الآية محكمة أيضا ، لأنها تأمر بعدم حل القتال في المسجد إلا لمن قاتل فيه ، ولا سند لمن قال بنسخها ونسخ التي قبلها . قال تعالى « فَإِنِ انْتَهَوْا » عن القتال وتركوا الشرك وآمنوا « فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ » لما سلف منهم « رَحِيمٌ » ( 192 ) بعباده الذين تابوا وأتابوا إليه بعد عتوهم وعنادهم ، ومن رحمته عدم تعجيل عقوبتهم لهذه الغاية . ولما رأى حضرة الرسول أن إمهال المشركين والعفو عنهم واللطف بهم لا يزيدهم إلا كفرا وبغيا وطغيانا طلب من غير طلب أن لا يرضى من مثلهم إلا الإسلام أو القتل ، وكان هذا التمني الذي خطر على قلب الرسول مما هو ثابت في علم اللّه ومقدر نزوله عليه أنزل اللّه تعالى « وَقاتِلُوهُمْ » أي المشركين ، لأن أهل الكتاب عصمهم دينهم وكتابهم الذي فيه شرائع وأحكام إلهية يرجعون إليها وان غيروا أو بدّلوا بعضه ، فأمهلهم اللّه تعالى حرمة لكتابهم وما تمسكوا به من الدين ، إلا أنه تعالى إذلالا لهم أمر أخيرا بأخذ الجزية منهم كما سيأتي بعد لعلهم يتدبرون ما في كتبهم من الحق فيتبعونه ويؤمنون بمحمد والقرآن « حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ » أي أديموا قتالهم واستمروا عليه إلى أن لا يبقى شرك على وجه الأرض ، لأن المشركين كفرة لا كتاب لهم كي يؤمل فيهم الرجوع إليه ، ولأن بقاءهم على الشرك يزيد في طغيانهم وبغيهم وضررهم على المؤمنين ، لأنهم مهما تركوا لا يرجى منهم الرجوع إلى الحق ، إذ لا دين لهم يسوقهم على سلوك سبل الرشد ، لذلك عليكم بهم حتى يمحو نور الإيمان ظلمة الشرك « وَيَكُونَ الدِّينُ كله لِلَّهِ » وحده فلا يعبد من دونه شيء « فَإِنِ انْتَهَوْا » عما هم عليه وأسلموا للّه وآمنوا برسوله وكتابه « فَلا عُدْوانَ » عليهم