السيد عبد القادر ملا حويش آل غازي العاني

141

تفسير القرآن العظيم ( بيان المعاني )

لهضم حق الغير الذي لا شاهد له إلا اللّه مع كونه عالما بأنه مدين له ، فهي يمين الغموس التي تغمس صاحبها في النار ، وهذا كلّه من معاني الإدلاء بالباطل إلى الحكام ، أي النسبة إلى حكمهم ، فهم لا يسألون عن أحكامهم إذا كانت موافقة لظاهر الشرع ، وإنما يسأل المبطل ، لأن الحاكم العدل ملزم بأن يحكم بالظاهر ، واللّه تعالى يتولى السرائر ، ولا تنطبق هذه الآية عليهم إلا في حال أخذ الرشوة ، لأن فيها يكون الإدلاء إليهم ، أجارنا اللّه ووقانا . روي أن رجلا خطب امرأة هو دونها ، فأبت فادعى عند علي كرم اللّه وجهه أنه زوجها وأقام البينة ، فقالت المرأة لم أتزوجه وطلبت عقد النكاح ، فقال كرم اللّه وجهه قد زوجك الشاهدان وقد طلبت رحمها اللّه إجراء العقد بعد أن رأت الحكم عليها بالزوجية زورا لشدة تمسكها بدينها لتكون زوجة له بالوجه الشرعي ، لأنها تزعم أن شهادة الزور لا تكفي ، فأخبرها كرم اللّه وجهه أن شهادتهما بزوجيتها له كافية ، وليس عليها إثم بمطاوعتها له ، وإنما الإثم عليه وعلى الشهود ، ولهذا ذهب أبو حنيفة رحمه اللّه إلى أن الحاكم إذا حكم ببينة بعقد أو فسخ عقد مما يصح أن يبتدأ به من العقود فهو نافذ ظاهرا وباطنا ، ويكون كعقد عقداه بينهما ، وإن كان الشهود زورا . وذهب فيمن ادعى حقا في يد رجل وأقام بينة تقتضي أنه له ، وحكم بذلك الحاكم أنه لا يباح أخذه له ، وأن حكم الحاكم لا يبيح له ما كان قبل محظورا عليه ، وحمل الحديث على ذلك ، والآية ليست نصا في مدعى مخالفيه ، لأنهم إن أرادوا أنها دليل على عدم النفوذ مطلقا فممنوع ، وإن أرادوا أنها دليل على عدم النفوذ في الجملة فمسلم ولا نزاع فيه ، لأن الإمام الأعظم رضي اللّه عنه وأرضاه يقول بذلك ، ولكن فيما سمعت ، وإذا أردت تفصيل هذه القضية فارجع إلى كتاب أدب القاضي تر فيه ما تقنع به . قال تعالى « يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ » ما سبب زيادتها ونقصها وكبرها وصغرها « قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ » أي لصومهم وإفطارهم وآجال ديونهم وإجارتهم ونذورهم والحيض والنفاس ومدة العدة والحمل وزمن الحج ووقته وغير ذلك ، وهذا خلاف السؤال وهو من أنواع البديع في المخاطبات ، لأنه تلقي السامع بغير ما يتطلب بتنزيل سؤاله منزلة غيره تبينها على أنه الأولى له