السيد عبد القادر ملا حويش آل غازي العاني
137
تفسير القرآن العظيم ( بيان المعاني )
الشهوة فقط وصيانة النفس من الوقوع في الحرام ، بل اقصدوا الذرية أيضا ، ثم أحل لهم الأكل والشرب الذي كانوا يعتقدون حرمته بعد العشاء أو النوم فقال جلّ قوله « وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ » أي بياض النهار من سواد الليل فنسخ اللّه ما كان متعارفا عندهم من أن الصيام من العشاء إلى العشاء لأنهما أكلتان الغداء سقط بالصوم وبقي العشاء فقط ، ثم إن اللّه تعالى تصدق على أمة محمد فشرع لهم السحور بدل الغداء إلا أنه قدم عن وقته فهو من خصائص هذه الأمة . روى البخاري عن البراء قال : كان أصحاب محمد صلّى اللّه عليه وسلم إذا كان الرجل صائما فحضر الإفطار فنام قبل أن يفطر لم يأكل ليلته ولا يومه حتى يمسي ، وان قيس بن حرمة الأنصاري كان صائما فلما حضر الإفطار أتى أهله فقال أعندك طعام ؟ قالت لا ولكن أنطلق فأطلب لك ، وكان يومه يعمل فغلبته عنه فجاءته امرأته ( وهو نائم ) فقالت خيبة لك فلما انتصف النهار غشي عليه ، فذكر ذلك للنبي صلّى اللّه عليه وسلم فنزلت الآية فصاروا يأكلون ويشربون ويجامعون إلى أن يظهر بياض الفجر الصادق الذي هو كالخيط الأبيض الممتد في الأفق ، أما الفجر الكاذب الذي يكون قبله مرتفعا مستطيلا في السماء لا معترضا بالأفق فليس بمانع من الأكل والشرب والجماع ، فقد روى مسلم عن سمرة بن جندب قال : قال صلّى اللّه عليه وسلم لا يغرنكم في سحوركم أذان بلال ( كان يؤذن بالسحر ) ولا بياض الأفق المستطيل هكذا حتى يستطير هكذا وبه يحرم على الصائم الأكل والشرب والجماع . وروى البخاري ومسلم عن سهل ابن سعد قال : لما نزلت ( وَكُلُوا وَاشْرَبُوا ) الآية ولم ينزل ( مِنَ الْفَجْرِ ) فكان رجال ( من عوام الصحابة ) إذا أرادوا الصوم ربط أحدهم في رجله الخيط الأبيض والأسود ولا يزال يأكل حتى يتبين له رؤيتهما فأنزل اللّه بعده ( مِنَ الْفَجْرِ ) وقد أخرت من هذه الآية لهذا السبب . وليعلم أن ما ذكرنا من النسخ في هذا آنفا هو باعتبار ما كان عليه الناس في الجاهلية ، وليس بالنسخ الذي يريده من قال به ، لأن النسخ الذي يريده هو إبطال حكم سابق بنص لاحق ، ومن المعلوم أن اللّه تعالى لم ينزل علينا في كتابه هذا حرمة الجماع والأكل والشرب على الصائمين بعد