السيد عبد القادر ملا حويش آل غازي العاني

11

تفسير القرآن العظيم ( بيان المعاني )

أسد من عمى العين لأن فاقد البصر ينتفع ببصيرته ، وعادم البصيرة لا يفيده بصره « أُولئِكَ » الموصوفون بالمثالب الأربع المذكورة هم « الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى » واستبدلوا الكفر بالإيمان والحيرة بالرشد والغش بالنصح « فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ » بل خسرت وخابت صفقتهم خسرانا وخيبة عظيمتين ، فضلوا « وَما كانُوا مُهْتَدِينَ 16 » في أقوالهم وأفعالهم ، لأنهم أضاعوا رأس ما لهم وهو الإيمان ، ومن أضاع رأس ماله فهو للربح أضيع . ولا يقال إنهم لم يكونوا على هدى لأنهم كانوا متمكنين منه ، كأنه في أيديهم ، لكنهم رغبوا عنه وتركوه باختيارهم ، ومالوا إلى الضلال رغبة فيه ، وفعلوه طوعا ، ومالوا إليه ، فكأنهم عطلوه قصدا واستبدلوا به ضدّه ، ولهذا وصفهم اللّه تعالى بقوله « مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً » لينتفع بها « فَلَمَّا أَضاءَتْ ما حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ » جمع الضمير مع أن ما قبله مفرد على حد قوله تعالى ( وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خاضُوا ) الآية 69 من سورة التوبة الآتية ، إذ يجوز وضع الذي موضع الذين « وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ » متكاثفة ظلمة الليل وظلمة المطر وظلمة السحاب ، لأن من كان في نور وتركه أو أو كان في محل مضيء وخرج منه إلى مظلم اشتدت الظلمة في عينيه أكثر مما لو لم يكن قبل في النور ، ولهذا قال تعالى « لا يُبْصِرُونَ 17 » شيئا لما يجهلونه من الظلمة بعد ذلك النور ، فيصيرون لا يرون . مطلب في المثل لما ذا يضرب وما هو الرعد والبرق وضمير مثله : والمثل تشبيه الشيء الخفي بالشيء الجلي لمناسبة وجامع ، ليتأكد الوقوف على ماهية ذلك المشبه نهاية في الإيضاح ، وشرطه أن يكون فيه غرابة من بعض الوجوه وقد ضرب اللّه تعالى هذا المثل بالنار لثلاث حكم : الأولى أن المستضيء بالنار مستضيء بنور غيره ، فإذا ذهب بقي هو في الظلمة ، وكذلك هؤلاء لأنهم لما أقروا بالإيمان من غير اعتقاد في قلوبهم كان إيمانهم مستعار فلم ينتفعوا به ، لأن العارية مستردة . الثانية احتياج النار دائما إلى مادة الوقود ، فإذا انقطع طفئت ، وكذلك الإيمان محتاج أبدا إلى مادة الاعتقاد والعمل ليدوم ، وإلا فينقطع ولم تبق فائدة فيه الثالثة احداث الظلمة بعد النور أشد من الظلمة التي لم يسبقها نور ، ووجه