الشيخ حسن معن

70

النظرات حول الإعداد الروحي

من مكة ، ومعه أهله قريبا منه فيقيم فيه هذا الشهر ويطعم من جاءه من المساكين ، ويقضي وقته في العبادة ، والتفكير فيما حوله من مشاهد الكون ، وفيما وراءها من قدرة مبدعة . . وكان اختياره ( ص ) لهذه العزلة طرفا من تدبير الله له ، ليعده لما ينتظره من الامر العظيم . . ففي هذه العزلة كان يخلو إلى نفسه ، ويخلص من زحمة الحياة ، وشواغلها الصغيرة ، ويفرغ لموجبات ، ودلائل الابداع ، وتسبح روحه مع روح الوجود ، وتتعانق مع هذا الجمال ، وهذا الكمال ، وتتعامل مع الحقيقة الكبرى ، وتتمرن على التعامل معها في ادراك وفهم . ( ولا بد لأي روح يراد بها ان تؤثر في واقع الحياة البشرية فتحولها وجهة أخرى . . لا بد لهذه الروح من خلوة ، وعزلة بعض الوقت وانقطاع عن شواغل الأرض وضجة الحياة ، وهموم الناس الصغيرة التي تشغل الحياة لا بد من فترة للتأمل والتدبر ، والتعاون مع الكون الكبير ، وحقائقه الطليقة ، فالاستغراق في واقع الحياة يجعل النفس تألفه وتستنيم له فلا تحاول تغييره اما الانخلاع منه فترة ، والانعزال عنه ، والحياة في طلاقة كاملة من أسر الواقع الصغير ، ومن الشواغل التافهة فهو الذي يؤهل الروح الكبيرة لرؤية ما هو أكبر ، ويدربه على الشعور بتكامل ذاته بدون حاجة إلى عرف الناس والاستمداد من مصدر آخر غير هذا العرف الشائع . . ( وهكذا دبر الله لمحمد ( ص ) وهو يعده لحمل الأمانة الكبرى ، وتغيير وجه الأرض ، وتعديل مسار التاريخ ، دبر له هذه العزلة له قبل تكليفه