السيد عبد القادر ملا حويش آل غازي العاني

93

تفسير القرآن العظيم ( بيان المعاني )

رؤيته صلى اللّه عليه وسلم وكراهية سماع قوله الذي يشتاق إليه الجماد لا لأمر آخر ، قاتلهم اللّه ، فإنه تعالى يعلم قبل وقوعه منهم بأنهم فاعلوه وهؤلاء مثلهم مثل قوم نوح عليه السلام إذ أخبر اللّه عنهم حينما يتكلم معهم نوح عليه السلام بقوله ( جَعَلُوا أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ ) لئلا يسمعوا كلامه ( وَاسْتَغْشَوْا ثِيابَهُمْ ) لئلا يروه كما سيأتي في الآية 7 من سورته الآتية تشابهت قلوبهم ، أخزاهم اللّه الذي « يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ » في أنفسهم « وَما يُعْلِنُونَ » من كلامهم كما هو عالم من قبل ما يقع منهم سرا وجهرا قبل وقوعه « إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ 5 » بما فيها من الأسرار المستكنة فكيف يخفى عليه حال هؤلاء ؟ ! وفي هذه الآية دليل على أنه تعالى يعلم الأشياء قبل وقوعها بل قبل وجودها الخارجي وهو مما لا ينكره أحد إلا بعض المعتزلة القائلين بأنه تعالى يعلم الأشياء بعد حدوثها ، تعالى اللّه عن ذلك علوا كبيرا ، لما فيه من تشبيهه بخلقه ، لأن العلم بالشيء بعد حدوثه يعلمه بعض خلقه فلا مزية فيه ، وهذا كقول بعضهم إن الإسراء وقع مناما لأنه قد يقع لبعض خلقه من غير نكير ، قال ابن عباس نزلت هذه الآية في الأخنس بن شريق وكان رجلا حلو الكلام حلو المنظر ، وكان يلقى رسول اللّه بما يحب ويطوي بقلبه عليه ما يكره ، وما قيل إنها نزلت في بعض المنافقين الذين كانوا يلقونه صلى اللّه عليه وسلم بوجه منطلق ويبطنون له غير ذلك لا يتجه ، لأن هذه السورة مكية والآية كذلك ، والنفاق إنما ظهر في المدينة وهم فيها لا شك يقع منهم ذلك وأكثر ، ولذلك سموا منافقين وهذه الآية تنطبق عليهم ، إلا أنها لم تنزل بحقهم ، اللهم إلا إذا كان هذا من قبيل الإخبار بالغيب عن شيء لم يقع ، لعلمه تعالى بوقوعه فيما بعد ، فيكون جائزا ، ومثله كثير في القرآن ، لأنه من جملة معجزاته صلى اللّه عليه وسلم ومعجزات القرآن العظيم ، وهو من قبيل ما تأخر حكمه عن نزوله ، راجع أول سورة الطارق المارة في ج 1 ، قال تعالى « وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ » اسم لكل حيوان دب على وجه الأرض أي مشى عليها ، ويطلق على ذوات الأربع عرفا ، والمراد هنا ما هو عام للإنسان وغيره « إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُها » تفضلا منه وتكرما لا واجبا « وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّها » وبقاءها في عالم الشهادة ، ومقدار ثباتها فيه وانفكاكها عنه ، ومكامنها