السيد عبد القادر ملا حويش آل غازي العاني

9

تفسير القرآن العظيم ( بيان المعاني )

ليسترد ما أخذه منه حتى يبلغ الغاية المقدّرة في الأزل ، وهكذا كل منهما يعيد الكرة على الآخر دواليك بصورة منتظمة لا تختلف قيد شعرة منذ خلقها اللّه تعالى إلى الآن ، وإلى أن يأذن بخراب هذا الكون « وَما خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ » من الكواكب السيارة والثابتة والبحار والأنهار والمعادن الجامدة والسائلة ، مما عرفه الخلق ومما لم يعرفه بعد ، والآثار الحكمة والخلائق المتنوعة « لَآياتٍ » واضحات عظيمات دالات على وجود الصانع لهذه المصنوعات المتقنة ، وعلى كمال قدرته وبالغ حكمته ، وعلى ما أنكروه من البعث بعد الموت ، وما تعجبوا به من إرسال الرسل وإنزال الكتب بتبيين طرائق الهدى وتعيين مهاوي الردى « لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ 6 » اللّه ويحذرون عاقبة ما خوفهم به رسله ، وخص المتقين لأن التقوى تدعو إلى النظر في عواقب الأمور والتدبر لنتائجها ، وقد تحدو بهم إلى الفكر والتفكر في آيات اللّه والتذكر بها لتوصلهم إلى معرفة صانعها المكون هيكلها ، فيزدادوا إيمانا وتصديقا وإذعانا ، فينقادوا إلى اللّه ويؤمنوا برسله وكتبه واليوم الآخر ، فيحصل لهم المقصود الذي خلقوا لأجله وهو عبادة اللّه تعالى القائل : ( وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ) الآية 56 من الذاريات الآتية . قال تعالى « إِنَّ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا » ولا يتوقعون حصوله ولا يخطرونه ببالهم لتوغلهم بالغفلة عن لتفطن إلى الحقائق الراعنة ، لأنهم لا يعتقدون بالثواب والعقاب لإنكارهم اليوم الآخر فلا يخافون وعيدنا وتهديدنا الواقع على لسان رسلنا « وَرَضُوا بِالْحَياةِ الدُّنْيا » المستعارة الموقتة دار البلاء والمحن التي لم تدم ولم تصف لأحد بدلا من الآخرة الدائم نعيمها دار السعادة والصفاء ، وآثروا الأدنى الفاني الخسيس ، على الأعلى الباقي النفيس « وَاطْمَأَنُّوا بِها » وركنوا إليها ومالوا بكليتهم عليها وسكنت لها قلوبهم سكون من لا براح له عنها ، آمنين من اعتراء المزعجات غافلين عما أعد لهم من العذاب ، فبنوا القصور الفخمة القوية ، وأملوا الآمال المغوية البعيدة ، فأزال ذلك كله الوجل من قلوبهم وصرفها في الملاذ والملاهي حتى أنساهم ذكر اللّه زخارفها ، وصاروا بحالة لم يصل معها إلى قلوبهم ما يسمعون من الإنذار والتخويف والوعيد « وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آياتِنا غافِلُونَ 7 » لا يتفكرون