السيد عبد القادر ملا حويش آل غازي العاني
81
تفسير القرآن العظيم ( بيان المعاني )
مطلب في المشيئة والاستثناء وقصة يونس عليه السلام : وقد سبق في علم اللّه تعالى صدق نيتهم في توبتهم قبل إحاطة العذاب فيهم ، كما سنوضحه لك قريبا ، بخلاف فرعون لأنه في تلك الحالة الرهيبة لم يزل شاكا كما تقدم في الآية 90 المارة حتى مات « إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ » استثناء متصل ، لأن الجملة في معنى النفي ، أي ما آمنت قرية من القرى الهالكة فنفعها إيمانها إلا قوم يونس لما آمنوا نفعهم إيمانهم ، وقوم منصوب على أصل الاستثناء وإذا رفعت ( قوم ) على القراءة الأخرى كان الاستثناء منقطعا ، ويكون المعنى لكن قوم يونس نفعهم إيمانهم « لَمَّا آمَنُوا » إيمانا خالصا لا يشم منه رائحة شك أو غيره ولذلك « كَشَفْنا عَنْهُمْ عَذابَ الْخِزْيِ » الذلّ والهوان « فِي الْحَياةِ الدُّنْيا » بخلاف غيرهم إذ استأصلناهم بالعذاب لعدم صدق نيتهم وصحة إخلاصهم ، وقد سبق في علم اللّه أن الذين استؤصلوا لو أجاب دعاءهم ورفع عنهم العذاب لردوا إلى ما نهوا عنه ، أما هؤلاء فكان في علمه الأزلي إخلاصهم للّه في توبتهم ، لذلك رفعنا عنهم العذاب « وَمَتَّعْناهُمْ » في الدنيا بعده « إِلى حِينٍ 97 » انقضاء أجلهم المقدر لمكثهم فيها ، وهو الأجل المبرم المقدّر على حسن توبتهم ونيتهم ولولا ذلك لأهلكوا بالأجل المعلق المقدر على عدم توبتهم ورجوعهم إلى اللّه ، راجع الآية 2 من سورة الأنعام الآتية . ، وهؤلاء خصوا من بين الأمم بحسب قضاء اللّه الأزلي ، وتنطبق عليهم القاعدة ما عموم إلا وخص منه البعض ، كقوله تعالى ( كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ ) الآية الأخيرة من سورة القصص المارة ، وقوله تعالى ( فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ ) الآية 69 من الزمر الآتية ، وقوله تعالى ( فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ ) الآية 88 من سورة النمل المارة في ج 1 . هذا ولا يقال إنهم آمنوا قبل نزول العذاب لمخالفته للآية لأن الكشف لا يكون إلا بعد الوقوع أو بعد قرب وقوعه ، لأنه وقع قبل إحاطته بهم وبعد مشاهدتهم له ، واللّه أعلم . وخلاصة القصة على ما ذكره الأخباريون هي أن يونس عليه السلام بعثه اللّه إلى أهل نينوى بأرض الموصل ، وكانوا مشركين فدعاهم لتوحيد اللّه تعالى ورفض سواء من الآلهة ، فأبوا عليه وأصروا