السيد عبد القادر ملا حويش آل غازي العاني

67

تفسير القرآن العظيم ( بيان المعاني )

« وَقالَ مُوسى يا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ » إيمانا خالصا « فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا » وامضوا معي ولا تخافوا من فرعون فإن اللّه عاصمكم منه وثقوا بكلامي فان اللّه تعالى ناصري عليه ومهلكه وقومه فاستسلموا لأمر اللّه « إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ 84 » له منقادين لأمره تابعين لإرادته فإذا كنتم موصوفين بالإيمان المحض القلبي المذكور في هذه الآية وبالإسلام الظاهري الذي هو مطلق الإذعان المذكور فيها ، فامتثلوا قولي وهذا هو كمال الإيمان ، لأن من يؤمن باللّه إيمانا حقيقيا لا يتوكل على غيره « فَقالُوا » مجيبين له « عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنا » لا على غيره ، ثم ابتهلوا إلى ربهم فقالوا « رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً » محلا لها بأن تسلطهم علينا فيصرفونا عن ديننا أو يعذبونا فيردونا قسرا عنه فيقول فرعون لو كانوا على الحق لما سلط عليهم ، ولم يصابوا بعذابه ، فيظنوا أنهم خير منا فيتعنّتوا بذلك ، ويزدادوا كفرا وطغيانا فتكون مسخرين « لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ 85 » المتمادين في الظلم ولا تهلكنا بذنوبنا أو ذنوبهم « وَنَجِّنا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكافِرِينَ 86 » ومن قبح جوارهم وسوء صنيعهم بعد أن تخلصنا من ظلمهم وبغيهم ولهذا عبر عنهم بالكفر بعد الظلم ووضع المظهر موضع المضمر أي القوم الكافرين بدل منهم هذا ولا جرم أن اللّه تعالى أجاب دعاهم ، وقبل توكلهم ، فنجاهم مما يخافون وأهلك عدوهم ، وجعلهم خلفاء في أرضه ، فمن أراد أن تستجاب دعوته فليخلص لربه ويرفض ما سواء ويحسن ظنه به ، فإنه عند حسن ظن عبده به قال تعالى « وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّءا » اتخذا واجعلا « لِقَوْمِكُما بِمِصْرَ بُيُوتاً » للصلاة يرجعون إليها بعبادتهم لإقامة شعائر الدين فيها « وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً » تستقبلونها في صلاتكم وكانوا أي الأنبياء ، عليهم السلام في ذلك الزمن يستقبلون الكعبة ، كما روى عن ابن عباس قال قال بنو إسرائيل لا نستطيع أن نظهر صلاتنا مع الفراعنة ، فأذن لهم أن يصلوا في بيوتهم ، وأن يجعلوها قبل القبلة ، لأن موسى وهارون كانوا يستقبلونها لكونها قبلة أبيهم إبراهيم عليهم السلام ، وكانوا يصلون خفية لئلا يؤذيهم كفرة القبط ، كما كان محمد وأصحابه في بداية الإسلام ، فإنهم كانوا يخفون صلاتهم وعبادتهم خشية أذية قريش