السيد عبد القادر ملا حويش آل غازي العاني

596

تفسير القرآن العظيم ( بيان المعاني )

مطلب في الدعاء والعبادة وإنعام اللّه على عباده ومراتب الإنسان في الخلق وذم الجدال : قال تعالى « وَقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ » دعاءكم قال بعض المفسرين ادعوني هنا بمعنى اعبدوني بدليل قوله « إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي » ولا يدعوني « سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ 60 » صاغرين أذلاء مهانين لأنهم لم يدعوه ولم يعبدوه ولم يعترفوا بربوبيته ، ولا يخفى أن الدعاء مخ العبادة بل هو العبادة نفسها وزبدتها كقولك الحج عرفة والدين النصيحة أي معظمه فإبقاء اللفظ على ظاهره أولى . ومما يدل على هذا ما رواه النعمان بن بشير صاحب معرة حلب قال : سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم يقول على المنبر الدعاء هو العبادة ، ثم قرأ هذه الآية ، أخرجه أبو داود والترمذي وقال حديث حسن صحيح . وأخرج الترمذي عن أنس بن مالك : الدعاء مخ العبادة . هذا ، ولا يقال إن الإنسان يدعو فلا يستجاب له ، لأن للدعاء شروطا وآدابا أمها الإخلاص ، وأبرها اليقين ، وملاكها أكل الحلال ، وقوامها رد المظالم ، فالتخلف يكون من جهة الداعي لا من جهة الإله الذي يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء القائل ( ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ) ، وقد يكون الداعي يدعو وقلبه مشغول بغير الدعاء وقد يدعو بما لا مصلحة له به ولا فائدة لغيره أو بما فيه قطيعة رحم أو تعد على الغير ، وقد يدعو فيما فيه المصلحة والصلة ، ولكنه غير متيقن بالدعاء ولا موقن بالإجابة ، أما إذا اتصف بالشروط المطلوبة فيكون جديرا بالإجابة حالا أو مآلا بحسب المصلحة المقدرة ، واللّه أكرم من أن يرد سائله من بحر جوده الذي لا ينضب وواسع عطائه الذي لا ينفد ، وقدمنا في الآية 111 من سورة الإسراء ما يتعلق في هذا البحث بصورة واسعة ، فراجعها وما ترشدك إليه ، وله صلة في الآية 185 من سورة البقرة في ج 3 فراجعها أيضا . قال تعالى « اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ » تأخذوا راحتكم من التعب بالنوم والاضطجاع وأنكم من الوحشة باجتماعكم بنسائكم وأولادكم « وَالنَّهارَ مُبْصِراً » لتتمكنوا فيه من قضاء حوائجكم وأشغالكم من من غير حاجة إلى ضياء آخر ولتقوموا فيه بوسائل معاشكم وتتعرفوا فيه لفضل ربكم فتصيبوا منه حظكم « إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ » عظيم لا يوازيه