السيد عبد القادر ملا حويش آل غازي العاني

589

تفسير القرآن العظيم ( بيان المعاني )

الأولى لأنه حال قيام الأشهاد لا تنفع المعاذير ، قال تعالى « وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْهُدى » بجميع وسائله « وَأَوْرَثْنا بَنِي إِسْرائِيلَ الْكِتابَ 53 » ليهتدوا به ويعملوا بمقتضاه بحياته وبعد وفاته لأنا جعلناه « هُدىً » للناس ، لأن التوراة المعبر عنها بالكتاب هنا أجمع كتاب أنزل من بدء الخليقة حتى نزول القرآن العظيم ، لأنه الجامع لكل ما في الكتب المتقدمة عليه « وَذِكْرى لِأُولِي الْأَلْبابِ 54 » يتذكرون بها ، لأن ذوي القلوب الواعية هم أهل التذكر والتفكر فيها ، وعلى هذا فإن قومه لم يعملوا بها ومن عمل منهم بها كان مرغما ، وقد هجروها من بعده ولم يتقيدوا بوصاياها وأهملوا أحكامها وغيروا وبدلوا قسما منها . ثم التفت إلى حبيبه محمد وخاطبه عزّ خطابه بقوله « فَاصْبِرْ » يا سيد الرسل على أذى قومك وتحمل جفاهم ولا يهمنك عدم سماعهم لقولك وما تتلوه عليهم من كتابك ، فقد صبر قبلك الرسل إخوانك على أقوامهم حتى أتاهم الوقت المقدر لعذابهم ، وأنت اصبر إلى أن يحين عذابهم الذي وعدناك به « إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ » بإظهار دينك وإعلاء كلمتك ونصرتك عليهم وإهلاكهم « حَقٌّ » منجز لا يخلف عن موعده المقدر له « وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ » الذي تراه ذنبا بالنسبة لمقامك ، وإن لم يكن ذنبا بالنسبة لأمتك كترك ما عمله أولى وأفضل ، وهذا من قبيل التعبد لزيادة الدرجات له صلّى اللّه عليه وسلم ولتستنّ أمته بذلك ، وقدمنا بأن الذي يعد ذنبا على الأنبياء هو من قبيل حسنات الأبرار سيئات المقربين ، وأوضحنا ذلك في الآية 65 من سورة الزمر المارة وغيرها ، وهذا الاستغفار أحد قسمي الطاعة وهي التوبة عما لا ينبغي فعله ، والقسم الثاني الاشتغال بما ينبغي فعله ، وهو قوله تعالى قوله « وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكارِ 55 » بعد التوبة لأن التوبة من قبيل التخلية ، والتسبيح بعدها من قبيل التحلية ، والتحلية تكون عادة بعد التخلية . مطلب الآيتان المدنيتان وعصمة الأنبياء وكلمات لغوية والدجال ومن على شاكلته : وهاتان الآيتان المدنيتان من هذه السورة ، قال تعالى « إِنَّ الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطانٍ أَتاهُمْ » وهم كفار اليهود الجهلة فهم « إِنْ فِي صُدُورِهِمْ » مما يجادلون به ما هو « إِلَّا كِبْرٌ » في نفوسهم حملهم عليها وانهم مهما تعاظموا