السيد عبد القادر ملا حويش آل غازي العاني

583

تفسير القرآن العظيم ( بيان المعاني )

الحكمة وفقت الأعضاء لكل حسن من قول أو فعل . ولهذا خص القلب بهاتين الخصلتين ووصفه بهما ، لأنه منبع الكبر والجبروت ، كما أنه معدن الخصال الحسنة ، فهو الكل بالكل فلم يرد فرعون ولا قومه على هذه الآيات البينات التي جمع فيها هذا المؤمن الغيور فأوعى ، لأنها حجج داحضة قاطعة وبراهين لامعة ساطعة قامعة ودلائل باهرة وامارات واضحة بالغة لا جواب لها إلا القبول ممن أراد اللّه له القبول والسكوت ممن أراد اللّه له الهلاك ، وإن فرعون خاصة يعلم أن ما جاء به هذا المؤمن الذي لم تأخذه في الحق لومة لائم ، ولم يخش فيه إلا اللّه حقا لا مرية فيه ، فلما غشيهم السكوت التفت فرعون إلى رأس وزرائه وخاطبه بقوله كما قصّ اللّه عنه : مطلب بناء الصرح وسببه والقول السائد ما اتخذ اللّه وليا جاهلا ولو اتخذه لعلمه : « وَقالَ فِرْعَوْنُ يا هامانُ ابْنِ لِي صَرْحاً » قصرا عاليا مرتفعا في السماء ظاهرا المرائي على بعد ، وقد مرّ بيانه في الآية 38 من سورة القصص في ج 1 فراجعه تعلم ماهيته وما فعل اللّه به « لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبابَ 36 » ثم بين هذه الأسباب العظيمة فأبدل منها « أَسْبابَ السَّماواتِ » يريد أطرافها وأبوابها وكل ما أداك إلى الشيء فهو سبب كالرشاء الحبل الموصل إلى الماء في غور البئر « فَأَطَّلِعَ إِلى إِلهِ مُوسى » نصب الفعل لجواب الترجي وهو جائز عند الكوفيين كالتمني ولم يجزه البصريون ، وخرجوا نصب الفعل هنا على أنه جواب للأمر وهو ( ابن ) وعليه قوله : يا ناق سيري عنقا فسيحا * إلى سليمان فتستريحا أي سيري فتستريح ، قال تعالى حاكيا قول هذا الخبيث « وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كاذِباً » فيما يدعيه من أن له ربا سواي ، بل هو الكاذب قبحه اللّه وأرداه ، قالوا إنه أراد بهذا البناء الرفيع رصد أحوال الكواكب التي هي أسباب تدل على الحوادث الأرضية ، فيرى هل فيها ما يدل على رسالة موسى ، لأنه كان حزاء يعرف في النجوم ، وهذا يدل على أنه كان معترفا بوجود اللّه تعالى ، ومما يؤيد اعترافه باللّه محاورة المؤمن له ولقومه المارة والآتية وعدم ردّه عليه هو وقومه ، وكان اقتصارهم على أمر قتل موسى وعدمه مع الصفح عما يتعلق بالآلهة دليل على اعترافهم بالإله العظيم ، إذ ما من أحد إلا ويعترف بوجوده ، قال تعالى ( وَلَئِنْ