السيد عبد القادر ملا حويش آل غازي العاني

576

تفسير القرآن العظيم ( بيان المعاني )

واعلموا أيها الناس أن ذلك الإله الجليل الذي ستعرضون عليه في ذلك اليوم « يَعْلَمُ خائِنَةَ الْأَعْيُنِ » استراق النظر من أحدنا إلى ما لا يحل ، فكل نظرة لما نهى اللّه عنه تسمى خائنة يحاسب عليها العبد ، ألا فليتق اللّه الإنسان وليصرف نظره عن المحارم إلى ما أحل اللّه والتفكر في ملكوته والتملي من كتابه ، ولا يستحسن إلا الحسن الجائز له أن يستحسنه ، قال بعض العارفين : وعيني إذا استحسنت غيركم * أمرت الدموع بتأديبها لأن البكاء من خشية اللّه يطهر المساوئ « وَما تُخْفِي الصُّدُورُ 19 » يعلمه أيضا وما هو أخفى لاستواء السر والعلانية عنده ، فكل ما تضمره القلوب من خيانة أو غل أو غش أو حسد أو غيره يعلمه اللّه ، فافعلوا ما شئتم أيها الناس فهو لكم بالمرصاد « وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ » بينكم وبينه وبينكم وبين عباده وأعدائه ، لا رجاء ولا رشاء ولا مودة ولا مكانة ولا مال ولا جاه ولا منصب ولا عشيرة « وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ » أوثانا ويعبدونها بدله أو يشركونها معه بالعبادة « لا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ » لدعاتهم ولا لعبادهم في ذلك اليوم وقد كانوا في الدنيا يقضون بينهم بحق وباطل بحسب ما تهواه أنفسهم ، أما اليوم فالحكم كله للّه ولا يكون إلا بالحق وهذا من قبيل التهكم فيهم ، لأن من لا يوصف بالقدرة لا يقال له يقضي أو لا يقضي ، وهذا أبلغ من جعل يقضي هنا من باب المشاكلة لأن القصد السخرية بهم لا الاستدلال على صلاحيتهم للإلهية والقضاء . واعلم أنا قد نأتي بالضمائر في مثل هذا كضمائر العقلاء موافقة لزعم عابديها ، لأن القرآن العظيم أتى بمثل ذلك لهذا الفرض « إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ » لأقوال خلقه « الْبَصِيرُ 20 » بأفعالهم فيكافئ كلا بما يستحقه بمقتضى عمله ، وفي الآية تعريض بأن أصنامهم لا تبصر ولا تسمع ولا تعلم ولا تقدر على شيء ، قال تعالى « أَ وَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ كانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ » وكيف أهلكناهم وبقيت ديارهم خاوية « كانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ » من قومك يا سيد الرسل « قُوَّةً » على تحمل المشاق والقتال وغيره « وَآثاراً فِي الْأَرْضِ » أيضا أكثر منهم لأنهم مكثوا فيها وعمروا أكثر منهم كما يعلم من المعالم المتروكة عنهم وأطلال ديارهم ،