السيد عبد القادر ملا حويش آل غازي العاني

48

تفسير القرآن العظيم ( بيان المعاني )

والندامة هي الغم والأسف على ما فرط من الشخص ، وإظهارها يكون بعضّ الأصبع والبرطم والبكاء والصياح ، وإخفاؤها بعدم إظهار شيء من ذلك وكتم ما يدل على آثارها ، وقد وقع منهم ذلك ، أجارنا اللّه ، وهذه الآية مكررة في القرآن كثيرا كالرعد والمائدة في ج 3 وغيرها ، ثم اتبع جل شأنه ما يدل على عظمته واقتداره مما سبق بقوله « أَلا إِنَّ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ » ملكا وعبيدا ، ومن كان كذلك فإنه لا يقبل الفداء فليس للكافر أن يقتدى بشيء مما فيهما من العذاب وهما في قبضة ربه وهو من جملة المملوكين فيهما ، فكيف يقتدى المملوك بشيء لا يملكه ، وهذا على سبيل الفرض والتقدير ، لأن الآخرة ليس فيها ما يملك لأن الملك يومئذ كلّه للّه ، وقد أكد هذا بقوله « أَلا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ » ثابت واقع كما أخبر به رسله لا محالة « وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ 55 » ذلك ويجحدون الثواب والعقاب في الدنيا فيقعون في ندامة الآخرة « هُوَ يُحيِي وَيُمِيتُ » في الدنيا « وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ 56 » في الآخرة يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ » في هذا القرآن على لسان رسوله ، فاتعظوا بها فهي نقاء لكم من الكفر « وَشِفاءٌ لِما فِي الصُّدُورِ » من داء الجهل الذي هو في القلب وهو أضر من داء الجسد الذي بمرض البدن « وَهُدىً » من الضلال إلى الصواب « وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ 57 » من العذاب الدنيوي والأخروي المادي والمعنوي . وهذه الآية عامة لكل البشر المنتفعين به قريش فمن عداهم الموجودين في زمنه صلى اللّه عليه وسلم والآتين بعده من عامة الخلق إلى يوم القيامة ، لأن القرآن ما زال ولا يزال رادعا عن الشر ، مرغبا بالخير ، مطهرا للأخلاق ، مصححا للعقائد ، منجيا من الجهالات ، لما فيه من الأمر والنهي والتخويف والترغيب والترهيب والتحذير والتذكير ، وخصّ الصدر دون سائر الجوارح لأنه موضع القلب وهو أعز موضع في بدن الإنسان ، قال صلى اللّه عليه وسلم فيما رواه البخاري ومسلم عن أبي عبد اللّه النعمان ابن بشير وهو الذي سميت المعرة الواقعة بين حلب وحماه باسمه : ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله ، وإذا فسدت فسد الجسد كله ، ألا وهي القلب :