السيد عبد القادر ملا حويش آل غازي العاني
468
تفسير القرآن العظيم ( بيان المعاني )
ابنه الآخر وبقي فريدا ، فجاء مركب آخر فركبه ، فقال الملاح إن فيكم عاصيا عبدا آبقا من سيده إذ لا موجب لوقوف المركب غير هذا ، فانظروا من هو ، فاقترعوا لمعرفة ذلك الآبق فيما بينهم ، فوقعت القرعة على يونس ، فقالوا له بعد الاعتراف بأنه آبق من سيده وعنى بذلك ربه لا بد من رميك في البحر ، لأن العادة المطردة عندنا كذلك ، ولئن يغرق واحد خير من أن يغرق الكل ، فاستسلم فأخذوه وزجوه بالماء ، وذلك قوله تعالى « فَساهَمَ فَكانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ 141 » المغلوبين في القرعة « فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ 142 » فعل فعلا يلام عليه بالنسبة لمقامه وذلك على حد حسنات الأبرار سيئات المقربين لأنه لم يفعل على رأيه ما يعاقب عليه « فَلَوْ لا أَنَّهُ كانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ 143 » لنا المكثرين لذكرنا الراجعين لأمرنا « لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ » لبقي في جوف الحوت « إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ 144 » من قبورهم الأموات هو وقومه وغيرهم ، وكان تسبيحه عليه السلام كما ذكر ربه في الآية 87 من سورة الأنبياء الآتية ( لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ ) وهذا هو الذي نجاه ، وكان عليه السلام يديم ذكر ربه قبل ذلك لا يفتر عنه أبدا ولهذا عده اللّه من المسبحين ، وجاء في الحديث اذكروا اللّه في الرخاء يذكركم بالشدة « فَنَبَذْناهُ » أجبنا دعاءه وأخرجناه من بطن الحوت وقذفناه « بِالْعَراءِ » الأرض الخالية من النبات والشجر « وَهُوَ سَقِيمٌ 145 » عليل البدن من حرارة بطن الحوت ، جاء في الخبر أن الملائكة لما سمعت تسبيح يونس عليه السلام قالوا ربنا إنا نسمع صوتا ضعيفا بأرض غريبة وقالوا غريبة لأنهم لم يسمعوا بشرا يذكر اللّه فيها قبل ، وإنما يسمعون الحيتان والديدان وغيرها وهو يختلف عن ذكر البشر ، فقال تعالى ذلك عبدي يونس عصاني فحبسته في بطن الحوت في البحر ، قالوا ربنا ذلك العبد الصالح الذي كان يصعد عمله الصالح إليك كل يوم وليلة ؟ قال هو ذاك ، قال فيشفعون له ، فأمر اللّه الحوت فقذفته بأرض نصيبين من قاعدة ربيعة وهي مجاورة لديار بكر ويليها من جهة الشرق الشمالي ديار مضر ويسمونها الآن جزيرة ابن عمر ، وهذا مما يدل على أن المراد بالبحر هو دجلة التي تصب في البحر بعد اختلاطه بالفرات بالقرنة قبل البصرة ، فعلى هذا