السيد عبد القادر ملا حويش آل غازي العاني

44

تفسير القرآن العظيم ( بيان المعاني )

حق للغير فيه ، وهو لا يسأل عما يفعل ، له الخلق والأمر . قال تعالى « وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ » واذكر يا محمد لقومك يوم يجمعهم ليوم الحساب ، وإذ ذاك يرون أنفسهم « كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا » في دنياهم هذه التي يرونها طويلة الأمد « إِلَّا ساعَةً مِنَ النَّهارِ » وقيل إن هذا اللبث في قبورهم ، والأول أولى بالمقام ، لأن حال المؤمن والكافر سواء في عدم المعرفة بمقدار اللبث في القبور إلى وقت الحشر ، فتعين حمل المعنى على الكافر ، لأن المؤمن انتفع في مكثه بالدنيا بما عمل من طاعة اللّه ورسوله بخلاف الكافر ، فإنه لم ينتفع بعمره فيها ، لأنه أنفذه بالمعاصي ، لذلك استغل مدة لبثه في الدنيا ، لأنه كان في شهوات ولذات قانية ، فصارت كالعدم « يَتَعارَفُونَ بَيْنَهُمْ » إذا خرجوا من قبورهم كتعارفهم بالدّنيا ، ثم يشتد عليهم هول الموقف فتنقطع المعرفة ، ويعرض الحبيب عن حبيبه ، والزوج عن زوجته ، والابن عن أبيه ، والأخ عن أخيه ، والأم عن ولدها ، قال تعالى ( يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ ) الآيات 35 فما بعدها من سورة عبس في ج 1 ، وقال تعالى ( وَلا يَسْئَلُ حَمِيمٌ حَمِيماً ) الآية 11 من سورة المعارج الآتية ، وقال تعالى ( فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَساءَلُونَ ) الآية 103 من سورة المؤمنين الآتية لهذا يصير التقاطع بينهم ، فلا ينظر أحدهم للآخر ، لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه عن صاحبه ، وحينئذ يظهر مغزى قوله تعالى « قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللَّهِ » إذ شاهدوه حقا وكانوا يجحدونه بالدنيا « وَما كانُوا مُهْتَدِينَ 45 » في بيع آخرتهم الباقية بدنياهم الفانية وضلوا طريق النجلة ، فحصلت لهم خسارة عظيمة لا تتلافى ، قال تعالى « فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ » من العذاب في الدنيا قبل موتك يا محمد « أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ » قبل أن نريك عذابا فيهم إذ نرجئه للآخرة « فَإِلَيْنا مَرْجِعُهُمْ » فيها ، وهناك ترى ما أوعدناهم به من الوبال الدائم « ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلى ما يَفْعَلُونَ 46 » من المعاصي والقبائح لا حاجة إلى شهود عليها ، لأنها كلها مدونة عنده لم يخف عليه شيء منها ، فكل جارحة تشهد بما فعلت وتبين زمانه ومكانه وصفته ، وإذ ذاك يذوقون العذاب الأليم . وهذه الآية لها نظائر كثيرة في القرآن بلفظها ومعناها كالآية 94 من المؤمنين الآتية وغيرها ،