السيد عبد القادر ملا حويش آل غازي العاني
384
تفسير القرآن العظيم ( بيان المعاني )
فكأنه قيل من هم الشركاء فقيل الجن وبالجر على الإضافة لشركاء ، وإنما قالوا الجن من حيث لم يشاهدوهم ، لأن الكفرة أصاخوا لتسويلاتهم وانصاعوا لوساوسهم ، فكأنهم أطاعوهم طاعة المشاهد فعبدوا الأوثان انقيادا لهم ، فصاروا كأنهم جعلوهم شركاء للّه ، تعالى اللّه عن ذلك ، وعلى هذا فتكون هذه الآية نازلة في كفار العرب كما روي عن الحسن بن صالح واختاره الزجاج ، وقال الكلبي نزلت في الزنادقة ونقل هذا القول ابن الجوزي عن ابن السائب ونقله الإمام الرازي عن ابن عباس ، وادعى أنه أحسن الوجوه المنقولة في سبب نزولها . مطلب معتقد الزنادقة والمجوس وتحقيق رؤية اللّه تعالى : وذلك أنهم يقولون إن كل ما في الكون من خير فهو من يزدان يعني النور ، وجميع ما في العالم من الشر فهو من الظلمة يعني إبليس وهذا مذهب المجوس ، لأن الكتاب الذي زعم زردشت أنه نزل من السماء سماه ( زاندا ) والمنسوب إليه زندى ، ثم عرب إلى زنديق ويجمع على زنادقة ، ومنهم من يقول إن إبليس قديم ، ومنهم من يقول إنه محدث ، وكلهم متفقون على أنه شريك للّه في تدبير هذا العالم ( تنزه عن ذلك ) فما كان من خير فمن اللّه وما كان من شر فمن إبليس . هذا ، وان اليزيدية الموجودين الآن في جبل سنجار على تخوم العراق يدينون بما يشابه هذا الدين ويعتقدون بالشيطان اعتقاد المجوسي بإبليس ، وقال بعض المفسرين إن المراد بالجنّ هم الملائكة ، لأن العرب عبدتهم وسمتهم بنات اللّه ، كما مرّ في كثير من الآيات الدالة على ذلك وتسميتهم جنا مجاز لاجتنانهم أي استتارهم واختفائهم عن الأعين ، وعبر بالجن عن الملائكة للحط بشأنهم بالنسبة لمقام الإلهية ، ونقل هذا القول عن قتادة والسدي ، والقول الأول أولى لموافقته ظاهر القرآن وهو الحقيقة وخلافها مجاز ، ولا يصار إلى المجاز إلا إذا تعذرت الحقيقة ، ولا يوجد هنا صارف لمعناها كي يلجأ إليه في اعتبار المجاز ، قال تعالى « وَخَلَقَهُمْ » أي أنهم يقولون هذا القول والحال أن اللّه خلقهم ، فكيف يجعلونهم شركاء له ، تعالى عن ذلك وتعاظم « وَخَرَقُوا » اختلقوا وافتعلوا وافتروا « لَهُ بَنِينَ وَبَناتٍ » فاليهود تقولت بأن عزيرا ابنه والنصارى بهتت بأن عيسى ابنه ، وكفار العرب