السيد عبد القادر ملا حويش آل غازي العاني

245

تفسير القرآن العظيم ( بيان المعاني )

كل شعرة منه قائمة ورأى شعر صدره خارجا من ثيابه ، فأشار يوسف لابنه الصغير أن يلمسه فذهب إليه وصار الملك يكلمه حتى مسه فسكن غضبه ، ونظر إلى اخوته وقال لهم أيكم مسّني قالوا لا أحد ، فقال في نفسه ان هذا بذر من بذور يعقوب يريد ابن يوسف لظنه أنه مسه ، ثم غضب ثانيا وتطاول على الملك بصوته وكلامه . ولما لم ير يوسف بدا من التخلص منه إلا بمسه تقدم إليه ووكزه برجله فرماه على الأرض وقال له أنتم أيها العبرانيون تزعمون أن لا أحدا أسد منكم قوة ، وانما فعل هذا بنفسه ليسكن غضبه بمجرد مسّه ، وعرف أنه لو سلط عليه جميع فتيانه لعجزوا عنه ولبطش بهم ، فظن اخوته انما سكن غضب أخيهم من شدة وكزة الملك ، ووقع على الأرض من قوة تلك الرفسة ، فقال بعضهم لبعض لا قدرة لنا على مقابلته ، وابتعدوا عنه وقال بعضهم لبعض « ارْجِعُوا إِلى أَبِيكُمْ فَقُولُوا يا أَبانا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ » صواع الملك وان الملك ذو بطش وقوة لا طاقة لنا به ، وقصّوا له ما حدث بينه وبين كبيرهم روبيل ، وتحقق العجز عن تخليصه بمشاهدتنا كلنا « وَما شَهِدْنا إِلَّا بِما عَلِمْنا » من ثبوت السرقة بوجود الصاع في رحله فقط ، إذ لا شاهد على الفعل ، وبما أن وجوده في رحله يحتمل أن دسه فيه وقع ممن لا يعرف طلبنا منه العفو عنه وأن يسدينا معروفا فوق أفضاله السابقة علينا فلم يفعل ، لأن السارق لا يعفى عنه بشريعته هذا « وَما كُنَّا لِلْغَيْبِ حافِظِينَ 81 » ولو لم تعلم ما قدر عليه من غيب اللّه ما أعطيناك ذلك الموثق الذي أخذته علينا ، بل لما أخذنا معنا ، فإذا صدقكم فيها والا قولوا له « وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيها » أي أهل مصر « وَالْعِيرَ » واسأل أهل العير « الَّتِي أَقْبَلْنا فِيها » إذ كلوا من كنعان جيران ليعقوب عليه السلام ، وأصل العير قافلة الحمير ثم توسع بها لكل قافلة ، لذلك قلنا آنفا في الآية 70 المارة إنها قافلة الإبل وأكدوا قولكم بما شئتم ، فقولوا له « وَإِنَّا لَصادِقُونَ 82 » فيما ذكرناه لك ، وإنما تآمروا على هذا القول الفصل مبالغة في إزالة التهمة عنهم بسبب واقعة يوسف ، قالوا فذهبوا وتركوا كبيرهم في السن في مصر ليديم المراجعة بشأن أخيهم ويتعاهده برا بعهدهم