السيد عبد القادر ملا حويش آل غازي العاني
243
تفسير القرآن العظيم ( بيان المعاني )
أخذهم له بطريق الاحتيال وظلمهم بضربه في الأرض والقائه في الجب ، وكذبهم على أبيهم بأن الذئب أكله ، وبيعهم له بثمن بخس ، وبعد هذا كله ومرور الزمن الطويل ترى بقاء الحقد عليه بقلوبهم حتى رموه الآن بالسرقة ، وهذا وجيه كله لولا كلمة الحقد لأنه بعد أن شرفهم اللّه بالنبوة لم يبق في قلوبهم حقد ولا حسد ، ولكنها كلمة سبق بها اللسان في مثل هذا الحال ، واختطفها القلم فأثبتها « وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما تَصِفُونَ 77 » به يوسف وأخاه ثم تذكروا موثقهم الذي أعطوه لأبيهم بأن لا يفرطوا به حتى يغلبوا جميعهم كما مر في الآية 66 وعزموا على إيفاء عهدهم لأبيهم وهم أحق ممن يفي بعهده ، فالتفتوا إلى يوسف وخاطبوه بما ذكر اللّه عنهم عزّ ذكره « قالُوا يا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَباً شَيْخاً كَبِيراً » في السن والقدر والجاه ، وأن من كان كذلك فان ابنه يستوجب العفو والصفح احتراما له فضلا عن أنه لا يصبر على فراقه مدة استرقاقه ، إذ أقعدته الكآبة على أخيه الأول وصار يتعزى عنه بهذا ، فنرجو منك أيها الملك الصفوح الحليم أن تعفو عنه وإلا « فَخُذْ أَحَدَنا مَكانَهُ إِنَّا نَراكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ 78 » للناس عامة ولنا خاصة ، وعددوا فضائله التي أجراها لهم « قالَ » يوسف أنا لا أمنّ بإحساني إليكم « ولكن مَعاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنا مَتاعَنا عِنْدَهُ » لم يقل من سرقه تورعا ، ولذلك سنّ للشاهد أن يقول أخذ لا سرق درأ له في الحد « إِنَّا إِذاً » إذا أخذنا بدله وتركناه « لَظالِمُونَ 79 » مبالغون في الظلم بأخذنا البريء وتركنا المدان بإجابة طلبكم ونحن ما أخذناه إلا على قولكم وفتواكم حسب شريعتكم ، ولو تركتمونا وشأننا لعاملناه معاملة رعيتنا بمقتضى شرع البلاد بأن نأخذ منه مثل ما سرق ونضربه ثم نتركه ، أما الآن وقد تم ما توافقنا عليه فلا مجال لتركه إذ لا يجوز للملك أن يرجع عن أمر أنفذه إلا بعفو ، والسارق ليس بأهل له « فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ » وعرفوا يقينا أنه لا يرده إليهم ولا يقبل فداءه بأحدهم « خَلَصُوا نَجِيًّا » انفردوا عن الناس بأنفسهم يتناجون بينهم ويتشاورون ما ذا يفعلون « قالَ كَبِيرُهُمْ » وصاحب مشورتهم يهوذا المنوه به في الآية 10 المارة « أَ لَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَباكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَوْثِقاً مِنَ