السيد عبد القادر ملا حويش آل غازي العاني
239
تفسير القرآن العظيم ( بيان المعاني )
دبره لأخذ أخيه ، وقيل أنه أمر الكيالين أو أحدهم بوضعها في حمل أخيه ، لأن الملك عادة لا يباشر ذلك بنفسه كما يفهم من قوله وجهزهم ، لأن المجهز فتيانه لا هو واللّه أعلم أي أنه دسه فيه من حيث لا يعلم هو أيضا ، ثم أمرهم بنقل متاعهم وودعهم وتركهم يتحادثون في حسن صنيعه لهم دون سائر الممتارين ، حتى إذا علم أنهم تجاوزوا عمران المدينة أرسل إليهم فتيانه وأخبرهم بفقد السقاية وأنهم آخر من خرج من حمل الكيل وأمرهم أن يسرعوا ليلحقوهم ويسألوهم عنها ، فتبادروا يهرولون حتى قربوا منهم ولذلك عبر بأداة التراخي قال « ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ » نادى مناد منهم عليهم قائلا « أَيَّتُهَا الْعِيرُ » يا أهلها والعير الإبل المحملة « إِنَّكُمْ لَسارِقُونَ 70 » وقصد بمناداتهم بلفظ السرقة سرقتهم إيّاه من أبيه ، لأنهم لما احتالوا عليه بأخذه للنزهة وكان قصدهم قتله فكأنهم سرقوه ، وهذا من المعاريض وفيها مندوحة عن الكذب ، وهذا على القول بأن القائل هو يوسف عليه السلام ، وعليه فلم يبق مجال لقول من قال إنه لا يليق به وهو نبي أن يتهمهم بشيء ، يعلم أنهم براء منه وعلى القول بأنه أخبر فتيانه الموكلين بالكيل بفقد الصاع وأمرهم أن يتبعوهم لأنهم هم الذين أخذوه ليلحقوهم ويستردوه منهم ، ولم يأمرهم بالمناداة عليهم بلفظ السرقة فليس في الأمر شيء من ذلك ، والقضية لا تخلو ولكنها للمصلحة ، تدبر « قالُوا وَأَقْبَلُوا عَلَيْهِمْ » ووقفوا مكانهم حتى وصلوا إليهم وقالوا أيها الفتيان « ما ذا تَفْقِدُونَ 71 » قالوا لهم ألم يكرمكم الملك ويأمر بحسن قراكم ويبيتكم عنده ووفى لكم الكيل ورد عليكم بضاعتكم قالوا بلى وله الشكر وحسن الثناء منا ما حيينا « قالُوا نَفْقِدُ صُواعَ الْمَلِكِ » فقدناه بعد ذهابكم ولم نكل لغيركم به فردوه إلينا واللّه يجزيكم خيرا ، واعلموا أن الملك تفضل وقال « وَلِمَنْ جاءَ بِهِ » بأن رده من تلقاء نفسه حلوانا من عنده حلالا « حِمْلُ بَعِيرٍ » من الطعام ثم قال المنادي « وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ 72 » كفيل بإعطائه لمن يعطينا إياه ويكفينا مئونة التحري عليه ، والزعيم الكفيل بلغة اليمن ، ويأتي الحميل بمعنى الكفيل أيضا ، قال صلّى اللّه عليه وسلم الحميل غارم فلما سمعوا بهتوا وردوا عليهم بلسان واحد « قالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ » ديانتنا وأمانتنا ، وذلك أنهم حينما قربوا من المدينة شدوا أفواه