السيد عبد القادر ملا حويش آل غازي العاني
235
تفسير القرآن العظيم ( بيان المعاني )
مطلب تعهد أولاد يعقوب بأخيهم الثاني والإصابة بالعين وسببها وما ينفعها : فقبلوا ما اشترطه عليهم لأنهم رأوا أنفسهم مضطرين لأخذه لما ذكر ولإيفاء وعدهم للملك ولخلاص أخيهم الذي تركوه رهينة عنده ، « فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ » على الصورة التي أرادها « قالَ اللَّهُ عَلى ما نَقُولُ وَكِيلٌ 66 » في هذا العهد وأذن لهم به وفوض أمره إلى اللّه وأرسله معهم ، ولما خرج يودّعهم ويدعوا لهم ويوصيهم بعضهم ببعض ورأى هيئتهم وكثرتهم خاف عليهم من العين « قالَ يا بَنِيَّ لا تَدْخُلُوا مِنْ بابٍ واحِدٍ » فتتطرق إليكم أعين أهل مصر ولكن تفرقوا « وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوابٍ مُتَفَرِّقَةٍ » أي كل ثلاثة أو أربعة من باب ، وذلك حرصا عليهم من أعين أهل مصر لما هم عليه من الحسن وعظم القامة ، وخوفا من الحسد أيضا لما في هاتين الخصلتين من تشعث القلوب من أنهما يؤثران بالإنسان من ذوي النفوس الخبيثة ، ومذهب أهل السنة والجماعة أن العين إنما تفسد أو تهلك عند نظر العائن بفعل اللّه تعالى ، وإذا أخبر الشرع بوقوع شيء وجب اعتقاده ، ولا يجوز تكذيبه وإنكاره لأنه من مجوزات العقل ، فلا يعتد بقول جاحده ، روى أبو داود عن عائشة قالت : يؤمر العائن فيتوضأ ثم يغتسل منه المعين وقد ورد بالوضوء لهذا الأمر في حديث سهل بن حنيفة لما أصيب بالعين عند اغتساله رواه مالك في الموطأ ، وقدمنا في الآية 52 من سورة القلم ج 1 ما يتعلق بهذا البحث مفصلا وموثقا بالأدلة فراجعه ، وكان صلّى اللّه عليه وسلم يعوذ بالحسن والحسين ، فيقول أعيذكما بكلمات اللّه التامة من كل هامة ، ومن كل عين لامة . وزعم الطبيعيون أن العائن تنبعث من عينيه قوة سميّة تتصل بالمعان فيفسد أو يهلك كانبعاث قوة سمية من الأفاعي والعقارب فتصل بالملدوغ فيهلك ، وإن كان غير محسوس لنا ، فهكذا المعان تتصل به من عين العائن قوّة سمية غير مدركة فتصعقه أو تهلكه ، إلا أن انبعاث السم من الأفاعي والعقارب يكون بالاتصال وهناك لا اتصال ، فلا يحسن التمثيل ، إذ لا يقره العقل الذي جعلوه مصدرا للقبول والعدم ، ولذلك قال المازني هذا غير مسلم لأنا بينا في كتب الكلام أن لا فاعل إلا اللّه ، وبينا فساد