السيد عبد القادر ملا حويش آل غازي العاني

213

تفسير القرآن العظيم ( بيان المعاني )

قوما قد انقطع رجاؤهم واشتد بلاؤهم وطال حزنهم ، فجعل يقول أبشروا واصبروا تؤجروا إن لكم بهذا لأجرا ، فقالوا يا فتى بارك اللّه فيك ما أحسن وجهك وأحسن خلقك وخلقك لقد بورك لنا في جوارك ما نحب ان كنا في غير هذا منذ جئتنا لما تخبرنا به من الأجر والكفارة والطهارة ، فمن أنت ؟ قال أنا يوسف ابن صفى اللّه يعقوب بن ذبيح اللّه إسحاق بن خليل اللّه إبراهيم ، فقال له عامل السجن لو استطعت خليت سبيلك لما أنت عليه من اللطف وما لديك على الناس من العطف وكثرة البر والمجاملة ولكن سأحسن جوارك فكن في أي بيوت السجن شئت ومن هنا اعتيد تعيين وعاظ للسجون يخففون عن المظلومين بلاءهم ويحبذون للظالمين التوبة والرجوع إلى اللّه ورد المظالم ويمنونهم بعفو اللّه عنهم واطردت العادة حتى الآن ، ثم إن الفتيين ألحا على يوسف بتعبير رؤياهما فقال أولا لتثقا في قولي فإني أقول لكم « لا يَأْتِيكُما طَعامٌ تُرْزَقانِهِ » في حبسكما هذا أو من أهلكما « إِلَّا نَبَّأْتُكُما بِتَأْوِيلِهِ » بأن أبين لكما ماهيته وكيفيته ومن أين أتاكما ولونه وطعمه ووقت أكله « قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُما » وقبل أن ترونه وهذا من معجزاته عليه السلام أظهرها إليهم ليركنوا إليه ويأخذوا بقوله أملا بهدايتهم ، ونظيرها معجزة سيدنا عيسى عليه السلام المبينة في قوله تعالى ( وَأُنَبِّئُكُمْ بِما تَأْكُلُونَ وَما تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ ) الآية 50 من آل عمران ج 3 ، فقالا له هذا من علم الكهنة فمن أين جاءك ، قال لست بكاهن وإنما « ذلِكُما » الذي ذكرته لكم « مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي » من جملة العلوم التي منّ بها علي وعلمنيها بوحيه المقدس يشير إلى أن ذلك معجزة له وأنها جزء يسير مما أفاضه اللّه عليه ، وكأنه قيل له أنى لك هذا ولما ذا علمك ربك هذه العلوم واختصك بتعبير الرؤيا فقال « إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ » يريد العزيز وقومه إذ أعرض عنهم وترك رأيهم وما يتعبدون به ويرجونه ولم يوافقهم على ما يريدون لأنهم عبدة أوثان « وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ 37 » جاحدون البعث بعد الموت منكروا المعاد وأن الجملة الأولى كافية للإشعار بكفرهم وأتى بالثانية تأكيدا وكرر لفظ هم لهذه الغاية ، وليس المراد بالملة ملة آبائه كما قد يخطر بالبال السقيم باعتبار ما كانوا عليه قديما كما يقوله بعض الأغبياء لأن الأنبياء عليهم