السيد عبد القادر ملا حويش آل غازي العاني

198

تفسير القرآن العظيم ( بيان المعاني )

من سورة والنجم في ج 1 ، ومما يؤذن في براءته قوله جل قوله « وَاسْتَبَقَا الْبابَ » هو هربا منها وخلاصا مما تريده ، وهي لحاقا به وطلبا له لئلا يفلت من يدها وتفلس مما أرادته عليه ، فأدركته فأمسكت قميصه من الخلف وجذبته بشدة لئلا يخرج من الباب وهو جبذ نفسه إلى الأمام ليخرج منه ، فلو كان هناك بعض الهم لما وقع منه هذا « وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ » بسبب تلك المجاذبة القوية لأن كلّا منهما بذل غاية قوته فيها ، فاجتماع القوتين سبب القدّ ، إذ لو تراخى أحدهما لما وقع ، وهناك في هذه الحالة صادقا « وَأَلْفَيا سَيِّدَها » أي زوجها لأن العادة في ذلك الزمن تدعو الزوجة زوجها بسيدها ، وأهل دمشق الأول كانوا كذلك ، وحتى الآن لهم بقية تسمي الزوج سيدا ، ولم يقل تعالى سيدهما لأن يوسف عليه السلام لم يكن مملوكا حقيقة للعزيز ، لأنه حرّ لا يملك فضلا عن أنه نبي كريم « لَدَى الْبابِ » رأياه مقبلا نحوه يباشر فتحه ليدخل ، وهذه صدقة لم تتوقعها زليخا وإنها كما غفلت عن تسكير الأبواب على يوسف بالغال غفلت عن إغلاق باب الدار ، فهابت زوجها وخافت التهمة ، واحتالت لتبرئ ساحتها عنده ، وسبقت يوسف بالكلام « قالَتْ ما جَزاءُ مَنْ أَرادَ بِأَهْلِكَ سُوءاً » تريد زنى ، ثم أنها لشدة حبها بيوسف خافت عليه أن يقتله زوجها لهذه التهمة وتحرم مما هي طامعة فيه منه ومؤملة صدوره ولو بعد حين ، فبادرت زوجها قبل أن يتكلم وقالت ليس جزاؤه القتل إذ لم يقع منه فعل ولا جزاء له على المراودة « إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذابٌ أَلِيمٌ 25 » بأن يضرب ضربا مبرّحا ولم تذكر اسم يوسف بذلك ، بل قصدت العموم أي كل من أراد ذلك بأهلك حقه أن يفعل به هكذا ، لأنه أبلغ فيما قصدت من تخويفه طعما في أن يوافقها على ما تريده منه ولم تقدر أن تستخدم كلامها بأكثر من ذلك لحراجة الموقف ، وإلا فهي لا تريد أن تصم يوسف بشيء أصلا لأنها لم تقطع أملها منه « قال يوسف عليه السلام مدافعا عن نفسه لأنها وصمته أولا ، ولو سكتت لما كشف أمرها ، ولكنها لما قالت ما قالت ولطخت عرضه بمواجهة سيدها وهو بريء فاضطر إلى إزالة التهمة عنه ولم يثنه الخوف فخاطب سيدها بما ذكر اللّه عنه قال « هِيَ راوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي »