السيد عبد القادر ملا حويش آل غازي العاني

182

تفسير القرآن العظيم ( بيان المعاني )

أنطقه به اللّه فيه تعليم لمكيدتهم ، إذ لم يقع في نجواهم شيء من هذا ولم يخطر ببالهم أن الذئب يأكل البشر إذ ذاك ، قال الشاعر : ومن سرّه أن لا يرى ما يسوؤه * فلا يتخذ شيئا يخاف له فقدا ثم ألهمه اللّه زيادة على ذلك بأن بين لهم ما يعتذرون به فختم كلامه بقوله « وَأَنْتُمْ عَنْهُ غافِلُونَ 13 » لاهون بصيدكم ولعبكم ورميكم ، فقد لقنهم عليه السلام ما يحتجون به وما يعتذرون منه إليه وقد وقع هذا القول منه عليه السلام لأولاده لأن الأنبياء عليهم السلام لمناسبتهم التامة بعالم الملكوت تكون واقعاتهم واقعة ، ومن الأمثال : البلاء موكل بالمنطق . أخرج أبو الشيخ وغيره عن ابن عمر رضي اللّه عنهما قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لا تلقنوا الناس فيكذبوا فإن بني يعقوب لم يعلموا أن الذئب يأكل الناس ، فلما لقنهم أبوهم كذبوا ، فقالوا أكله الذئب . والحزن ألم القلب لفقد محبوبه . والخوف انزعاج النفس لنزول المكروه « قالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذاً لَخاسِرُونَ 14 » عاجزون هالكون إذا لم نقدر على حفظه من الذئب بل من الأسد ، كيف وهو أعزّ شيء عندنا ، فلما رأى عزمهم على حفظه وحزمهم على محافظته بعد أن أقسموا إليه بإزالة ما خطر بباله واطمأنوا على سلامته ورأى رغبة يوسف بالذهاب معهم ، عهد إليهم بمراقبته ، وتعهدوا إليه بذلك كله ، أذن لهم به ، ففرح يوسف لموافقة أبيه ولم يصدقوا متى ينقضي الليل ، فلما أصبحوا أخذوه معهم « فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ » إلى البادية وبعدوا عن العمران وصرفوا النظر عن قتله اتباعا لقول يهوذا صاحب مشورتهم « وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيابَتِ الْجُبِّ » المار ذكره فعمدوا إليه وقبضوه وطرحوه فيه . هذا ما قصه اللّه علينا في كتابه . أما الأخباريون فقالوا لما بعدوا به عن العمران أظهروا له الجفاء والعداوة مما هو كامن في صدورهم ، طفقوا يضربونه ، وصار كلما استغاث بواحد منهم ضربه ، فلما رأى عزمهم على قتله شرع يصيح يا أبتاه لو رأيت ما نزل بيوسف من اخوته لأحزنك وأبكاك ، يا أبتاه ما أسرع ما نسوا عهدك وضيعوا وصيتك ، فأخذه روبيل وضرب به الأرض وجثم على صدره ليقتله ، فاستغاث بيهوذا فأدركته رحمة الأخوة ورقّ له ، فقال يا اخوتي