السيد عبد القادر ملا حويش آل غازي العاني
161
تفسير القرآن العظيم ( بيان المعاني )
وروى مسلم عن سفيان بن عبد اللّه الثقفي قال : قلت يا رسول اللّه قل لي في الإسلام قولا لا أسأل عنه أحدا بعدك ، قال : قل آمنت باللّه ثم استقم . فالاستقامة كلمة جامعة لكل ما يتعلق بالعلم والعمل وسائر الأخلاق ، كالتقوى فإنها كلمة جامعة لكل خير ، وكالورع فإنها كلمة جامعة لكل بر ، فالاستقامة تشمل العقائد والأعمال المشتركة بينه صلى اللّه عليه وسلم وبين سائر المؤمنين ، بل وبين الخلق أجمع ، وتشمل الأمور الخاصة به عليه السلام من تبليغ الأحكام والقيام بوظائف النبوة وتحمل أعباء الرسالة وغير ذلك ، وقالوا إن التوسط بين الإفراط والتفريط بحيث لا يكون ميل لأحد الجانبين قيد عرض شعرة مما لا يحصل إلا بالافتقار إلى اللّه تعالى ، ونفي الحول والقوة بالكلية ، ومثلوا الأمر المتوسط بين ذينك الطرفين بالشيء الموجود غير المدرك الذي يكون بين ضوء الشمس والظل ، فإنه ليس بشمس ولا ظل ، بل هو أمر فاصل بينهما ، ولعمري إن ذلك لدقيق ، راجع الآية 25 من سورة الفرقان في ج 1 ولذلك قالوا لا يطيق الاستقامة إلا من أيد بالمشاهدات القوية والأنوار السنية ، ثم عصم بالتثبت بالحق . قال تعالى ( وَلَوْ لا أَنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلًا ) الآية 75 من الإسراء في ج 1 ، وجعل بعض العارفين الصراط الذي هو أرق من الشعرة واحد من السيف إشارة إلى هذا النهج المتوسط ، ومما يدل على شدة هذا الأمر ما أخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن الحسن قال : لما نزلت هذه الآية قال صلى اللّه عليه وسلم شمروا شمروا ، وما رئي بعدها ضاحكا . وعن ابن عباس رضي اللّه عنهما أنه قال : ما نزلت على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم آية أشد من هذه الآية ولا أشق . واستدل بعض المفسرين على عسر الاستقامة بما شاع من قوله صلى اللّه عليه وسلم شيبتني هود . كما أخرج ابن عساكر عن جعفر بن محمد عن أبيه أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال شيبتني هود وأخواتها وما فعل بالأمم قبل . وذلك لأن مبنى هذه السورة على إرشاده تعالى شأنه نبيه صلى اللّه عليه وسلم إلى كيفية الدعوة من مبدئها إلى آخرها ، وإلى ما يعزى لمن تصدى لهذه المرتبة العظيمة من الشدائد ، واحتماله لما يترتب عليه من الفوائد ، وهي أي هذه السورة الجليلة جامعة لإرشاده صلى اللّه عليه وسلم من مفتتح أمره إلى مختتمه ، وهذه الآية كالفذلكة لها فحينما نزلت هذه السورة هاله ما فيها من الشدائد ، وخاف من عدم