السيد عبد القادر ملا حويش آل غازي العاني

126

تفسير القرآن العظيم ( بيان المعاني )

إلى ابن نوح ما تصوره هذا الجاهل بقدر الأنبياء ، فيسند الضمير إلى من ليس له لئلا يتصور ما يلزم من ذلك المحذور ، كيف وهو حبر الأمة وأعلم الناس بمعاني كتاب اللّه بعد المنزل عليه ووحيه وخلفائه ، فعلى العاقل أن لا يلتفت إلى ترهات كهذه تلصق بأعظم الرجال لتؤخذ عنهم وهم منها براء ، ومن له مسكة من عقل أو لمعة من إيمان لا يصدق أقوالا كهذه بمجرد نقلها عنهم ، لأن كثيرا من الدساس يفعلون هذا ، قاتلهم اللّه وأخزاهم . قال تعالى « إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ 46 » لمثل هذا وأنت من أصفيائي وكان عليه السلام لا يعلم أن سؤاله هذا محظور عليه ، ولما علم مما أوحي إليه ربه أن طلبه نجاة ابنه وإدخاله في وعد ربه لا يرضى به ربه رجع واعتذر والتجأ إليه « قالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْئَلَكَ ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ » بجوازه ورضائك به « وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي » جهلي هذا وخطئي بإقدامي على سؤالك شيئا لا يحق لي سؤاله ، ولا يجوز لي طلبه البتة « وَتَرْحَمْنِي » بالعصمة عن العود إلى مثلها برحمتك التي وسعت كل شيء « أَكُنْ مِنَ الْخاسِرِينَ 74 » عملا واحرسني يا سيدي من أن أذهل عن شكر نعمتك ، فإن الذهول عنه عندها معاملة خاسرة توجب زوالها . واعلم أن لا دلالة في هذه الآية على عدم عصمة الأنبياء ، لأن اللّه تعالى وعد نوحا بإنجاء أهله وقد اتبع ظاهر هذا الوعد فسأل نجاته ، فعاتبه اللّه تعالى على ما ليس له به علم من استثنائه من أهله في سابق علمه ، لأنه كافر مصر على كفره ، وبين له أنه ليس من أهله الذين وعده بنجاتهم ، وأعلمه بأنه هالك لا محالة مع قومه الظالمين أنفسهم ، ونهاه عن مخاطبته فيه ، وفي كل ما لا يعلمه مما يوقعه اللّه تعالى في ملكه ، فخاف عليه السلام من إقدامه على سؤاله ذلك الذي لم يؤذن له به ، فلجأ إلى ربه وسأله المغفرة حالا عن هذا الذنب الذي ليس بذنب عند غير الأنبياء ، لأن العبد كلما ازداد قربا من اللّه تضاعفت خشيته منه ، وقد جاء عن سيدنا محمد صلى اللّه عليه وسلم أنه قال أعلمكم باللّه وأخشاكم له أنا . وذلك لقربه من ربه عزّ وجل ، لأن في ازدياد قربه ازدياد معرفته بربه ووقوفه على بعض عظمته وكبريائه ، فيزداد خوفه منه فيستعظم ما يقع منه مما يراه مخالفا للأدب ، ولهذا المعنى قبل إن حسنات الأبرار سيئات