السيد عبد القادر ملا حويش آل غازي العاني

114

تفسير القرآن العظيم ( بيان المعاني )

أن الإرادة غير الأمر كما قدمناه في الآية 98 من سورة يونس المارة ، أما ما ذكرناه في الآية 12 منها فهو في حق تزيين الأعمال وكونها من اللّه . واعلم أن إرادة اللّه تعالى مما يصح تعلقها بالإغواء والتزيين والإضلال حق ، وأن وقوع خلاف مراده ممتنع محال ، وأما المعتزلة القائلون بضدّ هذا فقد وقعوا في حيص بيض منها ، واختلفوا في تأويلها ، فمنهم من أولها بالإهلاك ، ومنهم من لجأ إلى المجاز عن تركهم ، ومنهم من جعل إن نافية ، وكلها أقوال أوهى من بيت العنكبوت ، لأن الآية صريحة لا تقبل التأويل . والحق أن يقولوا معنا بأن ذلك المهدي المضل المزين « هُوَ رَبُّكُمْ » الذي خلقكم ورباكم في هذه الدنيا « وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ 34 » في الآخرة فيجاري المحسن بإحسانه والمسئ بإساءته « أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ » أي الوحي الذي يتلوه عليهم كما تقول كفار مكة لك يا أكرم الرسل ، لأنهم قاتلهم اللّه جاءوا على وتيرة واحدة بالاحتجاج والتكذيب والمجادلة مع جميع الرسل ، ولهذا قال تعالى في الآية 168 من سورة البقرة في ج 3 ، تشابهت قلوبهم « قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرامِي » جمع جرم ، وهو اقتراف السوء ، يقال أجرم فلان إذا فعل الجرم أي الذنب الكبير ، ويقال لفاعله مجرم ، أي عليّ إثم إجرامي « وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تُجْرِمُونَ 35 » أنتم في إسنادكم الافتراء إليّ لأنه جرم عظيم ، وهذا آخر محاورة سيدنا نوح مع قومه في هذه السورة ، وما قيل إن آية ( أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ ) المارة ترجع إلى كفار مكة وإنها معترضة بين محاورة نوح وقومه لا وجه له ، لأن السياق يدل على أنها من تمام محاورته ، والسياق يؤيد هذا ، قال تعالى « وَأُوحِيَ إِلى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ فَلا تَبْتَئِسْ » لا تحزن ولا تأيس عليهم ، فإني مهلكهم « بِما كانُوا يَفْعَلُونَ 36 » بك يا رسولي من الأذى ، وبأنفسهم من الضلال والكفر . قيل كانوا يضربون نوحا عليه السلام حين يدعوهم إلى اللّه ويدلهم على الهدى ويأمرهم بالرشاد حتى يغشى عليه ، فإذا أفاق يقول رب اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون ، وهكذا كان سيدنا محمد صلى اللّه عليه وسلم مع قومه ، يقابلهم بالدعاء لهم بالهداية . هذا ، ولما تمادوا على ما هم عليه وهو ينتظرهم جيلا بعد جيل ولم ينجع بهم نصحه ، ولم يكفوا