السيد عبد القادر ملا حويش آل غازي العاني

104

تفسير القرآن العظيم ( بيان المعاني )

فاتركوا هذه المكابرة والعناد وآمنوا باللّه ورسوله . انتهت الآيتان المدنيتان . قال تعالى « مَنْ كانَ يُرِيدُ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها » بأعماله الحسنة فيها ونيته الصادقة ، ورضي باستبدال الباقي بالفاني والدائم بالمنقطع « نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمالَهُمْ فِيها » كاملة زائدة « وَهُمْ فِيها لا يُبْخَسُونَ 15 » شيئا منها ولا ينقصون نقيرا والضميران عائدان للحياة الدنيا ، الثاني مؤكد للأول ، لأن البخس لا يكون إلا في الدنيا من أولي الأمر ، ونجس الآخرة ناشئ عن التقصير في الأعمال الصالحة . نزلت هذه الآية في كل من عمل عملا يبتغي به غير اللّه ، والبخس نقص الحق على سبيل الظلم من أيّ كان ، وجاء هنا على ظاهر الحال محافظة على صور الأعمال ومبالغة في نفي النقص ، فكأنه نقص لحقوقهم التي يزعمونها ، وفعل يبخسون هذا لم يكرر في القرآن . هذا ، وما أخرجه النحاس في ناسخه عن ابن عباس بأن هذه الآية منسوخة بآية ( مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعاجِلَةَ عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ) الآية 18 من سورة الإسراء المارة في ج 1 ، مردود من وجهين : الأول أن هذه من الأخبار والأخبار لا يدخلها النسخ كما نوهنا به في الآية 41 من سورة يونس المارة ، الثاني أن آية الإسراء مقدمة على هذه بالنزول ، والمقدم لا ينسخ المؤخر كما بيناه في بحث الناسخ والمنسوخ في المقدمة ج 1 ، فلا معنى للقول بالنسخ البتة « أُولئِكَ » الذين وصفوا أعلاه هم « الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ » لأنهم استوفوا ثواب أعمالهم في الدنيا وقد عملوها لأجلها « وَحَبِطَ ما صَنَعُوا فِيها » من الخير لأنهم صنعوه للسمعة والرياء فلم يقصدوا فيه رضاء اللّه ، فكافأهم عليه في الدنيا لأن عمل الخير لا بد وأن يكون له ثواب لا يعدمه فاعله بمقتضى قوله تعالى ( فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ ) الآية 7 من سورة الزلزلة في ج 3 . مطلب العمل لغير اللّه والآية المدنية الثالثة وعود الضمير في منه : قال تعالى « وَباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ 16 » في الدنيا من الخير أي في الآخرة لأنه كان لغير اللّه ولمكافأتهم عليه فيها ، والباطل لا ثواب له في الآخرة . أخرج مسلم عن أبي هريرة قال : سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول : قال اللّه تبارك