السيد عبد القادر ملا حويش آل غازي العاني
92
تفسير القرآن العظيم ( بيان المعاني )
مجاريهما متجاورين متلاحقين بقدرته وأهل المرج الخلط يقال مرج الأمر إذا اختلط والمرج المكان الواسع الجامع للكلإ والماء ، وفيه أنواع كثيرة من النبات ، ويسمى المرعى مرجا لاختلاط النبات فيه « هذا عَذْبٌ » حلو ماؤه « فُراتٌ » قاطع للعطش لشدة عذوبته المائلة للحلاوة « وَهذا مِلْحٌ أُجاجٌ » ضد الأول على طرفي نقيض ، والأجاج الشديد الملوحة المائل إلى المرارة ، وفي الإشارة إشارة إلى بعدها عن بعضها بدليل قوله جل قوله « وَجَعَلَ بَيْنَهُما بَرْزَخاً » حاجزا عظيما يمنعهما من التمازج . وجاء بالفارسية كلمة ( برزة ) بمعنى برزخ وجاء في سورة الرحمن بينهما برزخ لا يبغيان الآية 20 في ج 3 فالتنوين في هاتين الآيتين يدل على عظم هذا البرزخ الفاصل بينهما وهو كذلك حيث يوجد بينهما مسافات كثيرة قبل التلاقي « وَحِجْراً مَحْجُوراً » 53 تنافر مفرطا كأن أحدهما يتعوذ من الآخر ، وقد ذكرنا في تفسير الآية ، المارة أنهم يستعملون هاتين الكلمتين مقام الاستعاذة عند طروء ملمة أو هجوم عدو أو وقوع نازلة أو حدوث مهم ، والمراد من إيجاد هذا البرزخ العظيم بين العذب والملح لزوم كل منهما صفته التي هو عليها ، لئلا ينقلب العذب ملحا ولا الملح عذبا ، وهو في مكانه لم يختلط بغيره مهما بقي ، وذلك من كمال قدرة اللّه لا بطبيعة الأرض ولا بطبيعة الماء ، وإلا لكان الكل عذبا أو ملحا . وما قيل إنهما بحران متلاصقان حلو ومالح لم يشاهدهما أحد ، أو أن أحدهما في الأرض والآخر في السماء وأنهما يلتقيان في كل عام كما ذكره بعض المفسرين قيل لا يرتضي ولا ينبغي أن يقال ، لأن اللّه كلم الناس على لسان نبيه بما يفهمون ويعقلون وهو لا يعجزه جعلها كذلك ، لأنه القادر على أكثر من ذلك ، إلا أنه لا حاجة لذكر غير المعقول والجنوح إليه عند وجود المعقول المشاهد ، على أنه لا ينكر وجود عيون ماء حلو تنبع في وسط البحر وعلى شواطئه تشرب منها الناس وتذهب إليها بالزوارق كما في البحرين ، حيث يوجد نبع ماء فيه يتدفق بقوة وينساب مع ماء البحر على سطحه ويمتاز عنه بلونه ويصير كالخط المستطيل ، إلى أن يندمج فيه . ولهذا البحث صلة في تفسير الآية 14 من سورة فاطر الآتية