السيد عبد القادر ملا حويش آل غازي العاني

123

تفسير القرآن العظيم ( بيان المعاني )

التطهير لنفسه وتزكيتها « فَإِنَّما يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ » خاصة لأنه هو المنتفع بها . وقرأ ابن مسعود وطلحة ( أزكى ) بإدغام التاء في الزاي واجتلاب همزة الوصل في ابتداء ، وهي قراءة شاذة لا عبرة بها لما ذكرنا غير مرة أن كل قراءة فيها زيادة حرف أو نقصه أو تبديله لا قيمة لقول من يقول بها « وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ » 18 لا إلى غيره فيجازى الدنس على رجسه والمتزكي على طهارته ، ثم ضرب اللّه مثالا آخر للجاهل والمؤمن فقال « وَما يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ » 19 وللكافر والمؤمن بقوله « وَلَا الظُّلُماتُ وَلَا النُّورُ » 20 وللجنة والنار بقوله « وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ » 21 ولمن ينتفع بدعوة الرسل ومن لا ينتفع بها بقوله « وَما يَسْتَوِي الْأَحْياءُ وَلَا الْأَمْواتُ » مطلب في إسماع الموتى : وختم هذه الآية العظيمة وكل آيات اللّه عظيمة ، بجملة فعلية تعود لكل من هؤلاء وهي « إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشاءُ » إسماعه سماع قبول فيتعظ بما يسمع ويهتدي به ، أما الذين لم يشأ إسماعهم فلا تقدر يا أكمل الرسل على إرشادهم لأنهم في حكم الأموات ولذلك قطع رجاءه منهم بقوله « وَما أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ » 22 فكما أن الموتى لا يجيبون الدعوة فكذلك هؤلاء ، وهذه الجملة ترشيح للمصرين على الكفر . ولهذا فيكون المعنى لا تحرص يا حبيبي وتجهد نفسك على دعوة قوم مخذولين ، قد سبق لهم الشقاء في علم اللّه « إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ » 23 لهم ومبلغ لا مجبر ولا مسيطر عليهم ، فمن سمع منك إنذارك سماع قبول انتفع به وأرشد ، ومن أعرض عنه فقد هلك وفسد فاتركه لا تأسف عليه . ولا يرد على هذه مخاطبة الرسول صلى اللّه عليه وسلم قتلى بدر في القليب ، لأن المراد نفي الإسماع بطريق العادة ، وذلك على طريق المعجزة وهي خارقة للعادة ، وما يدريك أن اللّه تعالى هو الذي أمره بخطابهم على حجة التبكيت والتوبيخ والتقريع بهم ، وبأمثالهم إذ ذاك ، لأنه لا ينطق عن الهوى ، وما يدريك أن اللّه أسمعهم كلامه أيضا وأعطاهم قوة الرد عليه وإسماعه جوابهم وهو على كل شيء قدير « إِنَّا أَرْسَلْناكَ » يا سيد الرسل لهؤلاء وغيرهم « بِالْحَقِّ بَشِيراً » بالوعد وإنجازه للطائعين « وَنَذِيراً » بالوعيد