السيد عبد القادر ملا حويش آل غازي العاني
111
تفسير القرآن العظيم ( بيان المعاني )
أما قول الرضي بأن هل لا تستعمل للإنكار فإنه يريد الإنكار على مدعي الوقوع كما في قوله تعالى ( أَ فَأَصْفاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ ) الآية 40 من سورة الإسراء الآتية ، والمعنى هل خالق مغاير له تعالى موجود لكم أو لغيركم ؟ كلا ، لا خالق سواه البتة « لا إِلهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ » 3 أي من أين يأتيكم البهت والافتراء والاختلاق بإنكار البعث والتوحيد مع أن اللّه يأمركم بهما ومع اعترافكم بأنه خالقكم ورازقكم ، فكيف يتوقع منكم التكذيب والإنكار ، وما سبب صدوره منكم ؟ قال تعالى « وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ » يا سيد الرسل فلا يهمنك شأنهم ولا يكن تكذيبهم عليك غمّة « فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ » من قبل أقوامهم وفي هذه الآية تعزية لحضرة الرسول بقومه وتسلية بمن قبله من الأنبياء الكثيرين الذين كذبتهم أقوامهم وأهينوا وقوتلوا مثله ، فله أسوة بهم ، وفي قوله تعالى « وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ » 4 تهديد للكفار ، لأن اللّه تعالى يقول لا تعبأ بهم فمصيرهم إلينا وإنا سنجازي المكذب منهم بما يستحقه . وفيها نعي لكفار قريش بعدم تلقيهم آيات اللّه بالقبول « يا أَيُّهَا النَّاسُ » ثقوا وتيقنوا « إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ » ثابت واقع لا محالة ؛ لا يجوز تخلفه ، وهذا الوعد هو الملمع إليه بجملة ( وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ ) « فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا » بزخارفها وطول الأمل فيها والصحة في الأبدان وكثرة الأرزاق والأمن « وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ » من حيث أنه غفور رحيم رؤوف كريم عطوف لطيف مما يمليه عليكم « الْغَرُورُ » 5 من النفس والجن والإنس ، فكلها تغركم وكل مبالغ في العزة والأنفة فهو غرور ، وأغر كل غرور هو الشيطان الذي يستولي على قلوبكم بوسوسته ، لغفلتكم عن ذكر اللّه في أعمالكم وأقوالكم ، فاحذروا خداعه ومكره ، ولا تلتفتوا إلى إغوائه وإغرائه ، ولا تركنوا إلى الدنيا التي يزيّنها لكم . ثم صرح بذلك الغرور فقال « إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُمْ عَدُوٌّ » قديم تأصلت عداوته فيكم ، فلا تكاد تزول حتى يزول هو وليس بزائل إلا عند الأجل الذي ضربه اللّه له ، ولستم بمدركيه لأن موعده النفخة الأولى التي لا يحضرها إلّا شرار الناس ، فاهجروه رحمكم