محمد جمال الدين القاسمي
9
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
بَعْدَ مَوْتِها أي يبسها وَكَذلِكَ أي : ومثل ذلك الإخراج تُخْرَجُونَ أي من قبوركم . وقال المهايميّ : أي : بالصلاة عن موت القلب إلى حياته ، ومن حياة النفس إلى موتها . ويحيي أرضها بنبات الهيئات الفاضلة ، بعد موتها بالهيئات الرديئة . وبالعكس بتركها . وآثر هذا المعنى ، على بعده ، مراعاة لسياق الآية ، من طريق الإشارة وَمِنْ آياتِهِ أي الباهرة الدالة على قدرته على البعث أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ أي يعني أصلكم آدم عليه السلام . أو النطفة والمادة . أو على تقدير مضاف . أي ولا مناسبة بين التراب وبين ما أنتم عليه في ذاتكم وصفاتكم ثُمَّ إِذا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ أي في الأرض انتشارا ملأ البسيطة وشمل الكرة . فأخذتم في بناء المدائن والحصون ، والسفر في أقطار الأقاليم ، وركوب متن البحار ، والدوران حول كرة الأرض ، وكسب الأموال وجمعها ، مع فكرة ودهاء ، ومكر وعلم ، واتساع في أمور الدنيا والآخرة . كل بحسبه . فسبحان من خلقهم وسيّرهم ، وصرّفهم في فنون المعايش وفاوت بينهم في العلوم والمعارف ، والحسن والقبح ، والغنى والفقر ، والسعادة والشقاوة وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أي جنسكم أَزْواجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْها أي تأنسوا بها . فإن المجانسة من دواعي التضامّ والتعارف وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً أي توادّا وتراحما بعصمة الزواج ، بعد أن لم يكن لقاء ولا سبب يوجب التعاطف من قرابة أو رحم إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ أي في بدائع هذه الأفاعيل المتينة المبنية على الحكم البالغة . القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة الروم ( 30 ) : الآيات 22 إلى 25 ] وَمِنْ آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوانِكُمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْعالِمِينَ ( 22 ) وَمِنْ آياتِهِ مَنامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَابْتِغاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ ( 23 ) وَمِنْ آياتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفاً وَطَمَعاً وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ ماءً فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ( 24 ) وَمِنْ آياتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّماءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِذا دَعاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ ( 25 ) وَمِنْ آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوانِكُمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْعالِمِينَ أي أولي العلم كما قال : وَما يَعْقِلُها إِلَّا الْعالِمُونَ [ العنكبوت : 43 ] ،