محمد جمال الدين القاسمي

23

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

الْبَعْثِ فَهذا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلكِنَّكُمْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ أي أنه حق ، لتفريطكم في طلب الحق واتباعه فَيَوْمَئِذٍ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أي بالشرك ، أو إنكار الربوبية ، أو الرسالة ، أو شيء لا يجب الإيمان به مَعْذِرَتُهُمْ أي بأنهم كفروا عن جهل . لأنه إنما كان عن تقصيرهم في إزالته ، أو عن عناد وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ أي ولا يطلب منهم الإعتاب . أي إزالة العتب بالتوبة والطاعة . لأنهما ، وإن كانتا ماحيتين للكفر والمعاصي ، فإنما كان لهما ذلك في مدة الحياة الدنيا ، لا غير . القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة الروم ( 30 ) : الآيات 58 إلى 60 ] وَلَقَدْ ضَرَبْنا لِلنَّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَلَئِنْ جِئْتَهُمْ بِآيَةٍ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ مُبْطِلُونَ ( 58 ) كَذلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى قُلُوبِ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ ( 59 ) فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ ( 60 ) وَلَقَدْ ضَرَبْنا لِلنَّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ أي من كل وصف يوضح الحق ويزيل اللبس . أو من كل دليل على الأمور الأخروية . والحق يجري مجرى المثل في الظهور وَلَئِنْ جِئْتَهُمْ بِآيَةٍ أي مما اقترحوه أو غيرها لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُبْطِلُونَ أي لا يؤمنون بها . ويعتقدون أنها سحر وباطل كَذلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى قُلُوبِ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ أي لا يطلبون العلم ولا يتحرون الحق . بل يصرون على خرافات اعتقدوها وترهات ابتدعوها . فإن الجهل المركب يمنع إدراك الحق ، ويوجب تكذيب المحق . قاله أبو السعود فَاصْبِرْ أي على ما تشاهد منهم ، من الأقوال الباطلة والأفعال السيئة إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ أي في قوله وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنَا الْمُرْسَلِينَ إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ وَإِنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الْغالِبُونَ [ الصافات : 171 - 173 ] ، وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ أي لا يحملنك على الخفة والقلق الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ أي بما تتلو عليهم من الآيات البينة ، بتكذيبهم إياها ومكرهم فيها . فإنه تعالى منجز لك ما وعدك من نصرك عليهم وجعله العاقبة لك ، ولمن اعتصم بما جئت به من المؤمنين .