محمد جمال الدين القاسمي

21

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

أسماعهم عن الحق ، وإعراضهم عن الإصغاء إليه . ولو كان فيهم إحداهما ، لكفاهم ذلك . فكيف وقد جمعوهما ؟ وَما أَنْتَ بِهادِ الْعُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ أي ما تسمع إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآياتِنا فَهُمْ مُسْلِمُونَ أي منقادون لما تأمرهم به من الحق . تنبيه : قال ابن كثير : وقد استدلت أم المؤمنين عائشة رضي اللّه عنها بهذه الآية فَإِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى ، على توهيم « 1 » عبد اللّه بن عمر في رواية مخاطبة النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم القتلى الذين ألقوا في قليب بدر ، بعد ثلاثة أيام ، ومعاتبته إياهم وتقريعه لهم . حتى قال له عمر : يا رسول اللّه ! ما تخاطب من قوم قد جيّفوا ؟ فقال : والذي نفسي بيده ! ما أنتم بأسمع لما أقول ، منهم . ولكن لا يجيبون . وتأولته عائشة على أنه قال : إنهم الآن يعلمون أن ما كنت أقول لهم حق . وقال قتادة : أحياهم اللّه له حتى سمعوا مقالته ، تقريعا وتوبيخا ونقمة . ثم قال ابن كثير : والصحيح عند العلماء رواية عبد اللّه بن عمر ، لما لها من الشواهد على صحتها من وجوه كثيرة . من أشهر ذلك ، ما رواه ابن عبد البر مصححا له عن ابن عباس مرفوعا ( ما من أحد يمر بقبر أخيه المسلم ، كان يعرفه في الدنيا ، فيسلّم عليه إلا ردّ اللّه عليه روحه حتى يرد عليه السلام ) . انتهى . وقال ابن الهمام : أكثر مشايخنا على أن الميت لا يسمع استدلالا بهذه الآية ونحوها . ولذا لم يقولوا : بتلقين القبر . وقالوا : لو حلف لا يكلم فلانا ، فكلمه ميتا لا يحنث . وأورد عليهم قوله صلّى اللّه عليه وسلّم في أهل القليب ( ما أنتم بأسمع منهم ) وأجيب تارة بأنه روي عن عائشة رضي اللّه عنهما أنها أنكرته . وأخرى بأنه من خصوصياته صلّى اللّه عليه وسلّم معجزة له . أو أنه تمثيل . كما روي عن علي كرم اللّه وجهه . وأورد عليه ما في مسلم « 2 » من أن الميت يسمع قرع نعالهم إذا انصرفوا . إلا أن يخص بأول الوضع في القبر ، مقدمة للسؤال ، جمعا بينه وبين ما في القرآن . نقله الشهاب . القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة الروم ( 30 ) : الآيات 54 إلى 55 ] اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً وَشَيْبَةً يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ ( 54 ) وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ ما لَبِثُوا غَيْرَ ساعَةٍ كَذلِكَ كانُوا يُؤْفَكُونَ ( 55 )

--> ( 1 ) الحديثان أخرجهما البخاري في : الجنائز ، 87 - باب ما جاء في عذاب القبر ، حديث 726 و 727 . ( 2 ) أخرجه مسلم في : الجنة وصفة نعيمها وأهلها ، حديث رقم 71 .