محمد جمال الدين القاسمي
14
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
نظره وتوجيه وجهه له ، لمراعاته والاهتمام بحفظه حَنِيفاً أي مائلا عن كل ما سواه ، إليه . قال المهايميّ : ولا يعسر الرجوع إليه لكونه فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها أي لأن عقل كل واحد يدل على أنه حادث يفتقر إلى محدث . ولا دلالة على الافتقار إلى متعدد أبدا . فالقول بتعدده تغيير للفطرة . لكن لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ أي لا تغيير لأمر العقل الذي خلقه اللّه للاستدلال ذلِكَ أي الدين المأمور بإقامة الوجه له ، أو الفطرة الدِّينُ الْقَيِّمُ أي المستقيم الذي لا عوج فيه . قال المهايميّ : وإن لم يقم عند المبدلين دليل على استحالة التعدد ، فهذا هو مقتضى الفطرة وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ أي أنه مقتضى الفطرة . وهي أقطع قاطع وأحسم حاسم لشغب المشاغب . لأنها من الأمور التي لا تدخل تحت الكسب والاختيار . وقوله تعالى مُنِيبِينَ إِلَيْهِ أي راجعين إليه بالتوبة والإنابة وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ [ آل عمران : 135 ] ، وهو حال من فاعل ( الزموا ) المقدّر ناصبا ل ( فطرة ) أو من فاعل ( أقم ) على المعنى . إذ لم يرد به واحد بعينه . أو لأن الخطاب له صلّى اللّه عليه وسلّم ولأمته . أو على أنه على حذف المعطوف عليه . أي : أقم أنت وأمتك . والحال من الجميع وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ أي جعلوه أديانا مختلفة ، لاختلاف أهوائهم وَكانُوا شِيَعاً أي فرقا كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ أي كل حزب منهم فرح بمذهبه ، مسرور ، يحسب باطله حقا . قال القاشانيّ : يعني المفارقين الدين الحقيقيّ ، المتفرقين شيعا مختلفة ، كل حزب عند تكدّر الفطرة ، وتكاثف الحجاب ، يفرح بما يقتضيه استعداده من الحجاب ، لكونه مقتضى طبيعة حجابه . فيناسب حاله من الاستعداد العارضي ، وإن لم يلائم الحقيقة بحسب الاستعداد . ولهذا يجب به التعذيب عند زوال العارض . ثم احتج عليهم برجوعهم إليه عند الشدائد ، مما يحمل أن يرجع إليه بعبادته دائما ، بقوله سبحانه : القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة الروم ( 30 ) : الآيات 33 إلى 36 ] وَإِذا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ ثُمَّ إِذا أَذاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ ( 33 ) لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ ( 34 ) أَمْ أَنْزَلْنا عَلَيْهِمْ سُلْطاناً فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِما كانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ ( 35 ) وَإِذا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِها وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذا هُمْ يَقْنَطُونَ ( 36 )