محمد جمال الدين القاسمي
9
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
للحق وأهدى للسبيل ، من الشيوخ الذين قد عتوا وانغمسوا في دين الباطل . ولهذا كان أكثر المستجيبين للّه تعالى ولرسوله صلى اللّه عليه وسلم شبابا . وأما عامة شيوخ قريش فاستمروا على ضلالهم ولم يسلم منهم إلا القليل . وهكذا أخبر تعالى عن أصحاب الكهف أنهم كانوا فتية شبابا . وقد يروى عن هؤلاء الفتية روايات مضطربة . أوثقها أن هؤلاء ، كان قدم إلى مدينتهم من يدعو إلى الإيمان باللّه تعالى ، وبما جاء به عيسى عليه السلام . ممن كان على قدم الحواريين . فاستجاب لذلك الفتية المنوه بهم . وخلعوا الوثنية التي عليها قومهم وفرّوا بدينهم خشية أن يفتنهم ملكهم عن دينهم أو يقتلهم . فاستخفوا عنه في الكهف . واعتزلوا فيه يعبدون اللّه تعالى وحده . ثم روي أن الملك طلبهم . فقيل : دخلوا هذا الكهف . فقال قومهم : لا نريد لهم عقوبة ولا عذابا أشد من أن نردم عليهم هذا الكهف ، فبنوه عليهم ثم ردموه . ثم إن اللّه بعث عليهم ملكا على دين عيسى . فرفع ذلك البناء الذي كان ردم عليهم . فقال بعضهم لبعض : كم لبثتم ؟ فقالوا : لبثنا يوما أو بعض يوم حتى بلغ فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ وكان ورق ذلك الزمان لدولة أهله . فأرسلوا أحدهم يأتيهم بطعام . فلما ذهب ليخرج رأى على باب الكهف شيئا أنكره فأراد أن يرجع . ثم مضى حتى دخل المدينة . فأنكر ما رأى . ثم أخرج درهما فنظروا إليه فأنكروه وأنكروا الدرهم . وقالوا : من أين لك هذا ؟ هذا من ورق غير هذا الزمان . واجتمعوا عليه يسألونه . فلم يزالوا به حتى انطلقوا به إلى ملكهم . فأخبره بأمره . فاستبشروا به وبأصحابه . وقيل له : انطلق فأرنا أصحابك . فانطلق وانطلقوا معه ليريهم . فدخل قبل القوم فضرب على آذانهم ف قالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِداً هذا ما أورده ابن جرير أولا ، وفيه كفاية عن غيره . وسنذكر في آخر نبئهم ما عند أهل الكتاب النصارى من شأنهم . وقد قيل إنهم كانوا في مدينة يقال لها ( طرسوس ) من أعمال طرابلس الشام . وفيها من الآثار القديمة العهد ، في جبل بها ، ما يزعم أهلها زعما متوارثا ، أنه لأصحاب الكهف . واللّه أعلم . ثم بين تعالى صبرهم على مخالفة قومهم ، ومدينتهم ومفارقة ما كانوا فيه من العيش الرغيد ، بقوله سبحانه : القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة الكهف ( 18 ) : آية 14 ] وَرَبَطْنا عَلى قُلُوبِهِمْ إِذْ قامُوا فَقالُوا رَبُّنا رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَا مِنْ دُونِهِ إِلهاً لَقَدْ قُلْنا إِذاً شَطَطاً ( 14 ) وَرَبَطْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أي قويناها بالصبر على المجاهدة . وشجعناهم على