محمد جمال الدين القاسمي

28

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

تلك المغارة هربا من الاضطهاد ، عرف أمرهم فأغلق عليهم باب المغارة بصخور عظيمة . وهكذا ماتوا فيها . وغيرهم يروون أنهم قتلوا من أجل الإيمان في مدينة أفسس . وبعد موتهم نقلت أجسادهم ودفنت في المغارة المذكورة . وآخرون يظنون أنهم حبسوا أنفسهم أحياء باختبائهم في المغارة المذكورة ، ليموتوا برضاهم ، هربا من خطر أنواع العذاب القاسية التي كان يتكبدها المسيحيون في ذاك الاضطهاد الوحشيّ . ثم قال : فكيفما كان نوع استشهاد هؤلاء السبعة ، فقد تحقق أن اللّه أراد أن يكرمهم بإظهار أجسادهم بواسطة رؤيا سماوية . وذلك في 4 آب سنة 447 في زمن ولاية الملك ( ثاوضوسيوش الصغير ) . ثم قال : ودرج على أفواه الشعوب ؛ أن هؤلاء الفتية ، بعد أن أغلق عليهم باب المغارة بأمر داكيوس الملك ، لم يموتوا ضمنها ، لا موتا طبيعيا ولا قسريّا . بل رقدوا رقاد النوم مدة ، نحو مائتي سنة . ثم نهضوا من نومهم الطبيعيّ سنة ( 447 ) . ثم قال : وقد ذهب بعض المؤرخين إلى تأويل ما روي من رقادهم الطويل ، بأنه لما ظهرت أجسادهم سالمة من البلى ، بعد أن دفنوا في ذلك الغار أحياء أو أمواتا ، بواسطة خارقة مّا ، ونقلت من مدفنهم الذي كانوا فيه ، اعتبرت تلك الأجساد كأنها صودفت مستيقظة من نوم لذيذ كانت راقدة فيه . إلا أن الذي يبطل هذا التأويل ما نقله بعد عن القنداق ، من أنهم نهضوا بعد أن رقدوا عدة من السنين وانتصروا على ضلال أولئك الوثنيين . وبظهورهم كذلك أيّدوا حقيّة إيمانهم ووطدوا المؤمنين في رجاء القيامة في الحياة الأبدية . هذا ما اقتطفناه من كتاب ( الكنز الثمين ) وبه تعلم ما لدى أهل الكتاب المسيحيين من الاختلاف فيهم ، الذي أشار له القرآن الكريم . وقد جاء في ( تاريخ الكنيسة ) : إن أقوال وأعمال الشهداء في المسيحية لم ينقل منها إلا القليل . لأن أكثرها أحرق بالنار مدة العشر سنوات . من سنة ( 293 إلى 303 ) وإن من القرن الثامن فصاعدا ، اعتنى الروم واللاتيّون بجمع حياة الشهداء الأولين . غير أن الأكثر حذاقة ، حتى الذين في حضن الكنيسة الرومانية ، يسلّمون الآن بأن أكثر الأخبار أحاديث ملفقة ، غراما بالبلاغة . وجداول القديسين المسماة ( أقوال الشهداء ) ليست بأكثر ثقة . التي ألفها أناس جهلاء غير قادرين ، أو دخلها منذئذ أكاذيب . فهذا القسم من تاريخ الكنيسة إذ ذاك مظلم خال من النور . انتهى كلامه بالحرف .