محمد جمال الدين القاسمي

17

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

هو انتفاع الزائر بالمزور . وقالوا : من تمام الزيارة أن يعلق همته وروحه بالميت وقبره . فإذا فاض على روح الميت من العلويات الأنوار ، فاض منها على روح الزائر بواسطة ذلك التعلق والتوجه إلى الميت . كما ينعكس النور على الجسم الشفاف ، بواسطة مقابلته . وهذا المعنى بعينه ، ذكره عباد الأصنام في زيارة القبور . وتلقّاه عنهم من تلقاه ممن لم يحط علما بالشرك وأسبابه ووسائله . ومن هاهنا يظهر سر مقصود النبيّ صلى اللّه عليه وسلم بنهيه عن تعظيم القبور واتخاذ المساجد عليها والسرج . ولعنه فاعل ذلك وإخباره بشدة غضب اللّه عليه . ونهيه عن الصلاة إليها ، ونهيه عن اتخاذ قبره عيدا . وسؤاله ربه تعالى أن لا يجعل قبره وثنا يعبد . فهذا نهيه عن تعظيم القبور . وذلك تعليمه وإرشادة للزائر أن يقصد نفع الميت والدعاء له والإحسان إليه ، لا الدعاء به ولا الدعاء عنده . ثم قال عليه الرحمة : ومن ظن أن ذلك تعظيم لهم فهو غالط جاهل . فإن تعظيمهم إنما هو بطاعتهم واتباع أمرهم ومحبتهم وإجلالهم . فمن عظمهم بما هو عاص لهم به ، لم يكن ذلك تعظيما . بل هو ضد التعظيم . فإنه متضمن مخالفتهم ومعصيتهم . فلو سجد العبد لهم أو دعاهم من دون اللّه أو سبّحهم أو طاف بقبورهم واتخذ عليها المساجد والسرج ، وأثبت لهم خصائص الربوبية ، ونزههم عن لوازم العبودية ، وادعى أن ذلك تعظيم لهم - كان من أجهل الناس وأضلهم . وهو من جنس تعظيم النصارى للمسيح حتى أخرجوه من العبودية . وكل من عظّم مخلوقا بما يكرهه ذلك المعظّم ويبغضه ، ويمقت فاعله ، فلم يعظمه في الحقيقة ، بل عامله بضد تعظيمه . فتعظيم الرسول صلى اللّه عليه وسلم أن تطاع أوامره وتصدق أخباره ولا يقدم على ما جاء به غيره . فالتعظيم نوعان : أحدهما ما يحبه المعظّم ويرضاه ويأمر به ويثني على فاعله ، فهذا هو التعظيم في الحقيقة . والثاني ما يكرهه ويبغضه ويذم فاعله ، فهذا ليس بتعظيم بل هو غلوّ مناف للتعظيم . ولهذا لم يكن الرافضة معظمين لعلي ، بدعواهم الإلهية والنبوة أو العصمة ونحو ذلك . ولم يكن النصارى معظمين للمسيح . بدعواهم فيه ما ادعوا . والنبيّ صلى اللّه عليه وسلم . قد أنكر على من عظمه بما لم يشرعه . فأنكر على معاذ سجوده له وهو محض التعظيم . وفي المسند « 1 » بإسناد صحيح على شرط مسلم عن أنس بن مالك أن رجلا قال : يا محمد ! يا سيدنا ! وابن سيدنا !

--> ( 1 ) أخرجه الإمام أحمد في مسنده 3 / 153 .