محمد جمال الدين القاسمي

96

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

وهي تجري ، وهم فيها . فِي مَوْجٍ كَالْجِبالِ وذلك أنه لما تفتحت أبواب السماء بالماء ، وتفجرت ينابيع الأرض تعاظمت المياه ، وعلت أكناف الأرض ، وارتفعت فوق الجبال الشامخة بخمسة عشر ذراعا ، وكان ما يرتفع من الماء عند اضطرابه من أمواجه كالجبال . وَنادى نُوحٌ ابْنَهُ وَكانَ فِي مَعْزِلٍ أي في متنحى عن أبيه يا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنا أي ادخل في ديننا ، واصحبنا في السفينة وَلا تَكُنْ مَعَ الْكافِرِينَ أي في الدين والانعزال ، والهالكين . القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة هود ( 11 ) : آية 43 ] قالَ سَآوِي إِلى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْماءِ قالَ لا عاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلاَّ مَنْ رَحِمَ وَحالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ ( 43 ) قالَ سَآوِي إِلى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْماءِ أي فلا أغرق قالَ لا عاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ أي لا مانع اليوم من بلائه ، وهو الطوفان ، إلا الراحم وهو اللّه تعالى . أو لا عاصم إلّا مكان من رحم ، وهم المؤمنون ، يعني السفينة ، أو لا عاصم ، بمعنى لا ذا عصمة إلا من رحمه اللّه . أو ( إلا ) منقطعة ، أي لكن من رحمه فهو المعصوم . قال الناصر : الاحتمالات الممكنة أربعة : لا عاصم إلا راحم ، ولا معصوم إلا مرحوم ، ولا عاصم إلا مرحوم ، ولا معصوم إلا راحم . فالأولان استثناء من الجنس ، والآخران من غير الجنس . أي : فيكون منقطعا . أي لكن المرحوم يعصم ، على الأول ولكن الراحم يعصم من أراد ، على الثاني . وزاد الزمخشري خامسا وهو : لا عاصم إلا مرحوم ، على أنه من الجنس ، بتأويل حذف المضاف ، تقديره : لامكان عاصم إلا مكان مرحوم . والمراد بالنفي التعريض بعدم عصمة الجبل ، وبالمثبت التعريض بعصمة السفينة . والكل جائز وبعضها أقرب من بعض - انتهى . وَحالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ أي صار حائلا بين نوح وابنه ، أو بين ابنه والجبل ، لارتفاعه فوقه فَكانَ أي ابنه مع كونه فوق الجبل مِنَ الْمُغْرَقِينَ أي الهالكين بالغرق . وفيه دلالة على هلاك سائر الكفرة على أبلغ وجه ، فكان ذلك أمرا مقرر الوقوع ، غير مفتقر إلى البيان . وفي إيراد ( كان ) دون ( صار ) مبالغة في كونه منهم - أفاده أبو السعود - وقوله تعالى :