محمد جمال الدين القاسمي

94

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

الآيات ، ومما يؤيده شمولة لشدة الأمر من السماء والأرض ، فيطابق هذه الآيات . وأما غيره فمقصور على ناحية الأرض فقط . وجلي أن الأمر كان أعم - واللّه أعلم - . قُلْنَا احْمِلْ فِيها أي في السفينة مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ أي صنفين من البهائم والطيور وما يدب على وجه الأرض اثْنَيْنِ أي ذكرا وأنثى . قال أبو البقاء : يقرأ ( كلّ ) بالإضافة وفيه وجهان : أحدهما - أن مفعول ( احمل ) ( اثنين ) و ( من ) حال . والثاني - أن ( من ) زائدة ، والمفعول ( كلّ ) و ( اثنين ) توكيد . ويقرأ من كل ( بالتنوين ) ، ف ( زوجين ) مفعول ( احمل ) و ( اثنين ) توكيد له ، و ( من ) متعلقة ب ( احمل ) أو حال . انتهى . وَأَهْلَكَ أي من يتصل بك في دينك وسيرتك من أقاربك ، إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ أي وجب عليه الْقَوْلُ أي بالإغراق بسبب ظلمه ، وَمَنْ آمَنَ أي احمله معك فيها . قال أبو السعود : وإفراد الأهل منهم للاستثناء المذكور ، وإيثار صيغة الإفراد في ( آمن ) محافظة على لفظ ( من ) للإيذان بقلتهم ، كما أعرب عنه قوله ، عزّ قائلا : وَما آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ . القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة هود ( 11 ) : آية 41 ] وَقالَ ارْكَبُوا فِيها بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها وَمُرْساها إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ( 41 ) وَقالَ أي نوح عليه السلام لمن معه من المؤمنين ارْكَبُوا فِيها أي السفينة بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها وَمُرْساها قال الزمخشري : يجوز أن يكون كلاما واحدا ، وكلامين ، فالكلام الواحد أن يتصل ( بسم اللّه ) ب ( اركبوا ) حالا من الواو ، بمعنى : ركبوا فيها مسمين اللّه ، أو قائلين بسم اللّه وقت إجرائها ، ووقت إرسائها ، إما لأن المجري والمرسى للوقت ، وإما لأنهما مصدران ، كالإجراء والإرسال ، حذف منهما الوقت المضاف ، كقولهم : ( خفوق النجم ) و ( مقدم الحاج ) ويجوز أن يراد مكانا الإجراء والإرساء وانتصابهما ، بما في ( بسم اللّه ) من معنى الفعل ، أو بما فيه من إرادة القول . والكلامان : أن يكون بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها وَمُرْساها جملة من مبتدأ وخبر مقتضبة أي : بسم اللّه إجراؤها وإرساؤها يروى أنه كان إذا أراد أن تجري قال : بسم اللّه ، فجرت ، وإذا أراد أن ترسوا قال : بسم اللّه ، فرست . وجوز أن يقحم الاسم ، كقوله : * ثم اسم السلام عليكما * . ويراد : باللّه إجراؤها وإرساؤها ، أي بقدرته وأمره ،