محمد جمال الدين القاسمي

88

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

تؤمّل لعرف باطنه ، وهو في المعنى كالأول . وعلى كليهما ، هو منصوب على الظرفية . والعامل فيه إما ( نراك ) أو ( اتبعك ) . قال الناصر : زعم هؤلاء أن يحجّوا نوحا بمن اتبعه من وجهين : أحدهما - أن المتبعين آراءه ، ليسوا قدوة ولا أسوة . والثاني - أنهم مع ذلك لم يتروّوا في اتّباعه ، ولا أمعنوا الفكرة في صحة ما جاء به ، وإنما بادروا إلى ذلك من غير فكرة ولا روية ، وغرض هؤلاء ألا تقوم عليهم حجة بأن منهم من صدقه وآمن به - انتهى - . أي وكلا الوجهين يبرهنان على جهلهم وقصر عقلهم : أما الأول فلا خفاء في أنه ليس بعار على الحق رذالة من اتبعه ، بل أتباعه هم الأشراف ، ولو كانوا فقراء ، والذين يأبونه هم الأدنون ، ولو كانوا أغنياء . وفي الغالب ، ما يتبع الحق ، إلا ضعفة الخلق ، كما يغلب على الكبراء مخالفته ، كما قال تعالى : وَكَذلِكَ ما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قالَ مُتْرَفُوها إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ [ الزخرف : 23 ] ، ولما سأل « 1 » هرقل ، ملك الروم ، أبا سفيان عن نعوت النبيّ صلى اللّه عليه وسلم قال لهم فيما قال : أشراف الناس اتبعوه أم ضعفاؤهم ؟ فقال : بل ضعفاؤهم ! فقال هرقل : هم أتباع الرسل . وأما الثاني : فإن البدار لاعتناق الحق من أسمى الفضائل ، لأن الحق إذا وضح فلا يبقى للرأي ولا للفكر مجال ، ولا بد من اتّباعه حالتئذ لكل ذي فطنة ، ولا يتردد إلا غبيّ أو عييّ ولا أجلى مما يدعو إليه الرسل عليهم السلام . وقوله تعالى : وَما نَرى لَكُمْ خطاب لنوح وأتباعه عَلَيْنا مِنْ فَضْلٍ أي تقدّم يؤهلكم للنبوة واستحقاق المتابعة ، لأن الفضل محصور عندهم بالغنى والمال . قال الزمخشري : كان الأشرف عندهم من له جاه ومال ، كما ترى أكثر المتّسمين بالإسلام يعتقدون ذلك ، ويبنون عليه إكرامهم وإهانتهم . ولقد زلّ عنهم أن التقدم في الدنيا لا يقرّب أحدا من اللّه ، وإنما يبعده ولا يرفعه ، بل يضعه ، فضلا عن أن يجعله سببا في الاختيار للنبوّة ، والتأهيل لها . على أن الأنبياء عليهم السلام بعثوا مرغّبين في طلب الآخرة . مصغّرين لشأن الدنيا ، وشأن من أخلد إليها ، فما أبعد حالهم عليهم السلام من الاتّصاف بما يبعد من اللّه ، والتشرف بما هو ضعة عند اللّه !

--> ( 1 ) أخرجه البخاري في : بدء الوحي ، 6 - حدثنا أبو اليمان الحكم بن نافع ، حديث رقم 7 .