محمد جمال الدين القاسمي

81

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

أي مبايعون بالإسلام ، منقادون لتوحيد اللّه ، وتصديق رسوله ، بعد هذه الحجة القاطعة ؟ لطائف : الأولى - قيل : تحدّوا أولا بعشر سور ، فلما عجزوا تحدّوا بسورة ، وذهب المبرد إلى أن الأمر بالعكس ، ووجهه بأن ما وقع أولا هو التحدي بسورة مثله في البلاغة والاشتمال على ما اشتمل عليه من الإخبار عن المغيبات والأحكام وأخواتها ، وهي الأنواع التسعة المنظومة في قول بعضهم : ألا إنما القرآن تسعة أحرف * سأنبيكها في بيت شعر بلا ملل حلال ، حرام ، محكم متشابه * بشير نذير ، قصّة ، عظة ، مثل فلما عجزوا عن ذلك ، أمرهم بالإتيان بعشر سور مثله في النظم ، وإن لم تشتمل على ما اشتمل عليه ، ويشهد له توصيفها ب ( مفتريات ) . وقيل : إن التحدي بسورة وقع بعد إقامة البرهان على التوحيد ، وإبطال الشرك ، فتعين أن يكون لإثبات النبوة بإظهار معجزة ، وهي السورة الفذة . والتحدي بعشر وقع بعد تعنتهم واستهزائهم ، واقتراحهم آيات غير القرآن ، لزعمهم أنه مفترى . فمقامه يناسبه التكثير ، لأنه أمر مفترى عندهم ، فلا يعسر الإتيان بكثير مثله - كذا في العناية - . الثانية - ضمير ( لكم ) للنبيّ صلى اللّه عليه وسلم وجمع للتعظيم ، كما في قول من قال : وإن شئت حرمت النساء سواكم أو له وللمؤمنين ، لأنهم أتباعه في الأمر بالتحدي ، وفيه تنبيه لطيف على أن حقهم ألا ينفكوا عنه ، عليه الصلاة والسلام ، ويناصبوا معه لمعارضة المعارضين ، كما كانوا يفعلونه في الجهاد . وإرشاد إلى أن ذلك مما يفيد الرسوخ في الإيمان ، والطمأنينة في الإيقان ، ولذلك رتب عليه قوله عز وجل : فَاعْلَمُوا . . . إلخ . وجوز أن يكون الخطاب في الكل للمشركين من جهته عليه السلام ، داخلا تحت الأمر بالتحدي ، والضمير في ( لم يستجيبوا ) ل ( من استطعتم ) أي : فإن لم يستجب لكم سائر من تجأرون إليهم في مهماتكم إلى المعاونة ، فاعلموا أن ذلك خارج عن دائرة قدرة البشر ، وأنه منزل من خالق القوى والقدر - كذا في أبي السعود - . ثم بين تعالى وعيد من آثر الحياة الدنيا على الآخرة - وهم الكفار - بقوله :