محمد جمال الدين القاسمي

52

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

كونه سحرا ، وتكذيب لقولهم ، وتوبيخ لهم على ذلك إثر توبيخ . وليس أَ سِحْرٌ هذا مقولهم ، لأنهم بتّوا القول بأنه سحر ، فكيف يستفهمون عنه ؟ - كذا قيل : - . ولا أرى مانعا من أن يكون مقولهم ، والهمزة وسطت مزيدة لتكون مؤكدة لما قبلها من الاستفهام ، ومن لطائفها الاحتراس عن إيهام فاعلية سحر ل جاءَكُمْ بادئ بدء وأسلوب القرآن فوق كل أسلوب . أو الهمزة ، ومدخولها من مقولهم لقولهم الذي بتّوا عليه أمرهم . ثم رأيت الناصر في ( الانتصاف ) أشار لهذا حيث قال : وأما القراءة الثانية - يغني قراءة آلسحر - على الاستفهام ففيها - واللّه أعلم - إرشاد إلى أن قول موسى أوّلا : أَ تَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جاءَكُمْ أَ سِحْرٌ هذا حكاية لقولهم ، ويكون أَ سِحْرٌ هذا هو الذي قالوه ، ولا يناقض ذلك حكاية اللّه عنهم أنهم قالوا إِنَّ هذا لَسِحْرٌ مُبِينٌ وذلك إما لأنهم قالوا الأمرين جميعا : بدءوا بالاستفهام على سبيل الاستهتار بالحق والاستهزاء بكونه حقا ، والاستهزاء بالحق إنكار له بل قد يكون الاستفهام في بعض المواطن أبتّ من الإخبار . ألا ترى أنهم يقولون في قوله : أأنت أمّ سالم أبلغ في البت من قوله مخبرا ( أنت أم سالم ) ثم ثنوا بصيغة الخبر الخاصة ببت الإنكار ، ودعوى أنه سحر ، فقالوا : إِنَّ هذا لَسِحْرٌ مُبِينٌ فحكى اللّه تعالى عنهم هذا القول الثاني ، ووبخهم موسى على قولهم الأول . ومعنى العبارتين ومآلهما واحد . وإما ألا يكونوا قالوا سوى : أَ سِحْرٌ هذا على سبيل الإنكار حسبما تقدم ، فحكاه اللّه تعالى عنهم بمآله ؛ لأنه يعلم أن مرادهم من الاستفهام الإنكار ، وبتّ القول أنه سحر ، وحكى موسى عليه السلام قولهم بلفظه ، ولم يؤده بعبارة أخرى . وحكاية القصص المتلوّة في الكتاب العزيز بصيغ مختلفة ، لا محمل لها سوى أنها معان منقولة إلى اللغة العربية ، فيترجم عنها بالألفاظ المترادفة المتساوية المعاني . وحاصل هذا البحث أن قول موسى عليه السلام أَ تَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جاءَكُمْ أَ سِحْرٌ هذا إنما حكى فيه قولهم ، ويرشد إلى ذلك أنه كافأهم عندما أتوا بالسحر بمثل مقالتهم مستفهما فقال : ما جئتم به آلسحر ( على قراءة الاستفهام ) قرضا بوفاء على السواء . والذي يحقق لك أن الاستفهام والإخبار في مثل هذا المعنى مؤداهما واحد ، أن اللّه تعالى حكى قول موسى عليه السلام ( ما جئتم به السحر ) على الوجهين : الخبر والاستفهام ، على اقتضته القراءتان وهو قول واحد ، دل أن مؤدى الأمرين واحد ، ضرورة صدق الخبر . وإنما حمل الزمخشري على تأويل القول بالتعييب أو إضمار مفعول ( تقولون )